وقوله: (ولا يشهد من نفسه إلّا أثر النُّقصان) يعني: لا يرى نفسه إلَّا مقصِّرًا. والموجب له هذه الرُّؤيةَ: استعظامُ مطلوبه، واستصغارُ نفسه، ومعرفتُه بعيوبها، وقلَّةُ زاده في عينه. فمن عرف الله وعرف نفسه لم يَرَ نفسه إلَّا بعين النُّقصان.
وأمَّا قوله: (ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص)، فلأنَّه لكمال صدقه، وقوَّة إرادته، وطلبه للتقدُّم، يحمل نفسه على العزائم، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرُّخص.
وهذا لا بدَّ فيه من التفصيل، فإنَّ الصادق يعمل على رضا الحقِّ تعالى ومحابِّه، فإذا كانت الرُّخص أحبَّ إليه من العزائم كان التفاته إلى ترفُّهها هو عين صدقه٢. فإذا أفطر في السفر، وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه، وخفَّف الصلاة عند الشُّغل، ونحو ذلك من الرُّخص التي يحبُّ الله تعالى أن يؤخذ بها= فهذه٣: الالتفاتُ إلى ترفيهها لا ينافي الصِّدق.
بل هاهنا نكتة، وهي أنَّه فرقٌ بين أن يكون التفاته إليها ترفُّهًا وراحةً، وأن
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٢٢٦) وابن أبي الدنيا في «المحتضرين» (١٢٥) والدِّينَوَري في «المجالسة» (١٨٧) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٩، ٥/ ١٠٣) عن معاذ بن جبل بنحوه، وعند أكثرهم زيادة: «ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر»، وهي مثبتة في نسخة ع.
(٢) «فإذا كانت الرخص ... عين صدقه» سقط من ع لانتقال النظر.
(٣) ش، ج، ن: «فهذا». المثبت من الأصل هو الصواب، أي: فهذه الرخص: الالتفات إلى ترفيهها ... إلخ.
يكون متابعةً وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصِّدق، فإنَّ هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبُّدٌ باسمه البَرِّ اللطيفِ المحسنِ الرفيقِ، فإنَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفق١، وفي «الصحيح»٢: «ما خيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا»؛ لِما فيه من روح التعبُّد باسم الرفيق اللطيف، وإجمام القلب به لعبوديَّةٍ أخرى، فإنَّ القلب لا يزال يتنقَّل في منازل العبوديَّة، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه٣ استعدَّ بها لعبوديَّةٍ أخرى. وقد تقطعه عزيمتُها عن عبوديَّةٍ هي أحبُّ إلى الله منها، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه، والمفطر الذي يضرب الأبنية، ويسقي الرِّكاب، ويضمُّ المتاع؛ ولهذا قال فيهم النبيُّ ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»٤.
وأمَّا الرُّخص التأويليَّة المستندةُ إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عندهم عين البطالة ومنافٍ للصِّدق.
فصل
قال٥: (الدرجة الثالثة: الصِّدق في معرفة الصِّدق. فإنّ الصِّدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق٦ رضا
(١) يشير إلى حديث عائشة المتفق عليه: «إن الله رفيق يحب الرفق».
(٢) للبخاري (٣٥٦٠) ومسلم (٢٣٢٧) عن عائشة.
(٣) ج، ع: «رخصةٍ محبوبةٍ».
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٩٠) ومسلم (١١١٩) من حديث أنس.
(٥) (ص ٤٤) و«شرح التلمساني» (ص ٢٤٤) واللفظ له.
(٦) غير محرَّر في الأصل، يشبه: «يتقن»، وكذا في ل. وفي ش: «يتيقَّن». والمثبت من ج، ن، ع هو الصواب، وعليه شرحه المؤلف.