يكون متابعةً وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصِّدق، فإنَّ هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد، وتعبُّدٌ باسمه البَرِّ اللطيفِ المحسنِ الرفيقِ، فإنَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفق١، وفي «الصحيح»٢: «ما خيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا»؛ لِما فيه من روح التعبُّد باسم الرفيق اللطيف، وإجمام القلب به لعبوديَّةٍ أخرى، فإنَّ القلب لا يزال يتنقَّل في منازل العبوديَّة، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه٣ استعدَّ بها لعبوديَّةٍ أخرى. وقد تقطعه عزيمتُها عن عبوديَّةٍ هي أحبُّ إلى الله منها، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه، والمفطر الذي يضرب الأبنية، ويسقي الرِّكاب، ويضمُّ المتاع؛ ولهذا قال فيهم النبيُّ ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»٤.
وأمَّا الرُّخص التأويليَّة المستندةُ إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عندهم عين البطالة ومنافٍ للصِّدق.
فصل
قال٥: (الدرجة الثالثة: الصِّدق في معرفة الصِّدق. فإنّ الصِّدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق٦ رضا
(١) يشير إلى حديث عائشة المتفق عليه: «إن الله رفيق يحب الرفق».
(٢) للبخاري (٣٥٦٠) ومسلم (٢٣٢٧) عن عائشة.
(٣) ج، ع: «رخصةٍ محبوبةٍ».
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٩٠) ومسلم (١١١٩) من حديث أنس.
(٥) (ص ٤٤) و«شرح التلمساني» (ص ٢٤٤) واللفظ له.
(٦) غير محرَّر في الأصل، يشبه: «يتقن»، وكذا في ل. وفي ش: «يتيقَّن». والمثبت من ج، ن، ع هو الصواب، وعليه شرحه المؤلف.
الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِ العبد١ وقصدِه؛ [فـ]ـيكون العبد راضيًا مرضيًّا، فأعماله إذًا مرضيَّة، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كُسي ثوبًا مُعارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود).
يعني: أنَّ الصِّدق المحقَّق إنَّما يحصل لمن صدق في معرفة الصِّدق، فكأنَّه قال: لا يحصل حال الصِّدق إلَّا بعد معرفة علم الصِّدق.
ثمّ عرَّف حقيقة الصِّدق فقال: (لا يستقيم الصِّدق في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق٢ رضا الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِه وقصدِه). وهذا موجَب الصِّدق وفائدته وثمرته. فالشيخ ﵀ ذكر الغاية الدالَّة على الحقيقة التي يُعرف انتفاءُ الحقيقة بانتفائها، وثبوتُها بثبوتها. فإنَّ العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده، لا أنَّ رضا الله نفس الصِّدق، وإنَّما يُعلَم الصِّدق بموافقة رضاه سبحانه.
ولكن من أين يعلم العبد رضاه؟ فمن هاهنا كان الصادق مضطرًّا أشدَّ ضرورةٍ إلى متابعة الأمر، والتسليم للرسول ﷺ في ظاهره وباطنه٣، والتعبُّد به في كلِّ حركةٍ وسكونٍ، مع إخلاص القصد لله، فإنَّ الله لا يرضيه من عبده
(١) ج، ن: «وإتيان العبد»، وهو لفظ مطبوعة «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ٢٢٥).