الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِ العبد١ وقصدِه؛ [فـ]ـيكون العبد راضيًا مرضيًّا، فأعماله إذًا مرضيَّة، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كُسي ثوبًا مُعارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود).
يعني: أنَّ الصِّدق المحقَّق إنَّما يحصل لمن صدق في معرفة الصِّدق، فكأنَّه قال: لا يحصل حال الصِّدق إلَّا بعد معرفة علم الصِّدق.
ثمّ عرَّف حقيقة الصِّدق فقال: (لا يستقيم الصِّدق في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ واحدٍ، وهو أن يتَّفق٢ رضا الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِه وقصدِه). وهذا موجَب الصِّدق وفائدته وثمرته. فالشيخ ﵀ ذكر الغاية الدالَّة على الحقيقة التي يُعرف انتفاءُ الحقيقة بانتفائها، وثبوتُها بثبوتها. فإنَّ العبد إذا صدق الله رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده، لا أنَّ رضا الله نفس الصِّدق، وإنَّما يُعلَم الصِّدق بموافقة رضاه سبحانه.
ولكن من أين يعلم العبد رضاه؟ فمن هاهنا كان الصادق مضطرًّا أشدَّ ضرورةٍ إلى متابعة الأمر، والتسليم للرسول ﷺ في ظاهره وباطنه٣، والتعبُّد به في كلِّ حركةٍ وسكونٍ، مع إخلاص القصد لله، فإنَّ الله لا يرضيه من عبده
(١) ج، ن: «وإتيان العبد»، وهو لفظ مطبوعة «المنازل» و«شرح القاساني» (ص ٢٢٥).
(٢) وهنا أيضًا كسابقه.
(٣) زاد في ع: «والاقتداء به».
إلَّا ذلك. وما عدا هذا فقُوت النفس ومجرَّدُ حظِّها١، وإن كان فيه من المجاهدات والرِّياضات والخلوات ما كان، فإنَّ الله سبحانه أبى أن يقبل من عبده عملًا أو يرضى به حتَّى يكون على متابعة رسوله وخالصًا لوجهه.
ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر السالكين، بل يستوحش في طريقه٢، فإنَّ أكثرهم سائرون على أذواق نفوسهم٣، ومتابعة رسوم شيوخهم. والصَّادق في وادٍ، وهؤلاء في واد.
وقوله: (فيكون العبد راضيًا مرضيًّا). لأنَّه قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، فرضي الله به عبدًا، فأعماله إذًا مرضيَّةٌ لله، وأحواله صادقةٌ مع الله، وقصوده مستقيمةٌ على متابعة أوامر الله.
قوله: (وإن كان العبد كُسي ثوبًا معارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود). هذا يراد به أمران:
أحدهما: أن يُكسى حلية الصادقين، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فثوب الصِّدق عاريةٌ له لا مِلْك، فهو كالمتشبِّع بما لم يعط، فإنَّه كلابس ثوبي زورٍ. فهذا أحسن أعماله ذنبٌ يعاقَب عليه، كما يعاقَب المقتول في الجهاد، والقارئُ القرآنِ المتنسِّك، والمتصدِّقُ، ويكونون أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين٤. فهذا
(١) زاد في ع: «واتباعُ هواها».
(٢) زاد في ع: «وذلك لقلة سالكيها».
(٣) ع: «سائرون على طرق أذواقهم، وتجريد أنفاسهم لنفوسهم».
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة عند مسلم (١٩٠٥) وغيره، وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (ص ٣٤٦).