إلَّا ذلك. وما عدا هذا فقُوت النفس ومجرَّدُ حظِّها١، وإن كان فيه من المجاهدات والرِّياضات والخلوات ما كان، فإنَّ الله سبحانه أبى أن يقبل من عبده عملًا أو يرضى به حتَّى يكون على متابعة رسوله وخالصًا لوجهه.
ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر السالكين، بل يستوحش في طريقه٢، فإنَّ أكثرهم سائرون على أذواق نفوسهم٣، ومتابعة رسوم شيوخهم. والصَّادق في وادٍ، وهؤلاء في واد.
وقوله: (فيكون العبد راضيًا مرضيًّا). لأنَّه قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمَّدٍ رسولًا، فرضي الله به عبدًا، فأعماله إذًا مرضيَّةٌ لله، وأحواله صادقةٌ مع الله، وقصوده مستقيمةٌ على متابعة أوامر الله.
قوله: (وإن كان العبد كُسي ثوبًا معارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود). هذا يراد به أمران:
أحدهما: أن يُكسى حلية الصادقين، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فثوب الصِّدق عاريةٌ له لا مِلْك، فهو كالمتشبِّع بما لم يعط، فإنَّه كلابس ثوبي زورٍ. فهذا أحسن أعماله ذنبٌ يعاقَب عليه، كما يعاقَب المقتول في الجهاد، والقارئُ القرآنِ المتنسِّك، والمتصدِّقُ، ويكونون أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين٤. فهذا
(١) زاد في ع: «واتباعُ هواها».
(٢) زاد في ع: «وذلك لقلة سالكيها».
(٣) ع: «سائرون على طرق أذواقهم، وتجريد أنفاسهم لنفوسهم».
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة عند مسلم (١٩٠٥) وغيره، وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (ص ٣٤٦).
معنًى صحيحٌ، وما أظنُّ الشيخ قصده.
وإنَّما أظنُّه قصد معنًى آخر، وهو: أنَّه متى تيقَّن العبد أنَّ وجوده ثوبٌ معارٌ ليس منه، فإنه ليس به ولا له، وإنَّما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله عاريةٌ من الفعَّال وحده، والعبد ليس له من ذاته إلَّا العدم، فوجوده وحياته ثوبٌ أُعيرَه= فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته رأى أحسن أعماله ذنوبًا في هذا المقام، وأصدق أحواله زورًا، وأصفى قصوده قعودًا. فلا يرى لنفسه عملًا، ولا حالًا ولا قصدًا، فإنّه ليس له من نفسه إلَّا الجهل والظُّلم، فكلُّ ما من نفسه فهو ذنب وزور وقعود، وما كان مرضيًّا فهو بالله ومن الله ولله، لا بالنفس ولا منها ولا لها، فإنَّ العبد إذا رأى أنَّه قد فعل الطاعة كان رؤيته لذلك ذنبًا، فإنَّه نسب الفعل إليه، والله في الحقيقة هو المتفرِّد بالفعل.
فعلى هذا لا يتخلَّص العبد من الذنب قطُّ، فإنَّه إذا خلَّص فعله من الرِّياء١ ومن كلِّ شيءٍ يفسده، اقترن به آخَرُ لا يمكنه الخلاص منه، وهو اعتقاده أنَّه هو الفاعل٢.
والصواب: أنَّ هذا ليس بذنبٍ، ولا هو مقدورٌ للعبد ولا مأمور. والكمال في حقِّه: أن يشهد الأمر كما هو عليه، وأنَّه فاعلٌ حقيقةً، كما أضاف الله إليه الفعل في كتابه كلِّه، والله هو الذي جعله فاعلًا. فإذا شهد نفسه فاعلًا حقيقةً، وشهد فاعليَّته بالله ومن الله، لا من نفسه= فلا ذنب في هذا الشُّهود، ولا زور بحمد الله. وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب والمسبَّب، والشرع