مدارج السالكين

والقدر، والخلق والأمر.

ثم لو صحَّ ما ذكروه لكان الكافر والعاصي والفاسق أيضًا لا ذنب له ولا معصية في حقيقة الأمر١، وأنَّه متى شهد نفسه عاصيًا مخالفًا مذنبًا= كان عاصيًا بهذا الشُّهود، لأنَّ الفاعل فيه غيره. وهذا منافٍ للعبوديَّة أشدَّ منافاةٍ، وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة الكونيَّة واعتقاد أنَّه غاية السالكين.

فإن قيل٢: الشيخ ﵀ هاهنا ما نطق بلسان الأبرار، بل بلسان المقرَّبين. ولا ريب أنَّ حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، ولسنا نريد أنّ شهود فعله ذنبٌ في الشرع، بل يكون حسنةً كما ذكرتم، لكن هو حسنةٌ للبرِّ، ذنبٌ للمقرَّب، فإنَّ نصيب البرِّ من السيِّئة ما جاء به العلم، ونصيبَ المقرَّب ما جاءت به المعرفة التي هي أخصُّ من العلم.

قيل: هذا أيضًا باطلٌ قطعًا، بل المعرفة الصحيحة مطابقةٌ للحقِّ٣ في نفسه شرعًا وقدرًا، وما خالف ذلك فمعرفةٌ فاسدةٌ.

والحقُّ في نفس الأمر: نسبة الأفعال إلى الفاعلين قيامًا ومباشرةً وصدورًا منهم. وذلك محلُّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب. والقدح في ذلك مستلزمٌ لإبطال الشرع والجزاء، فإنَّ الشرع إنَّما أمر بأفعالها٤ ونهى عنها، والجزاء إنَّما ترتَّب عليها، فشهود أفعالها كذلك من تمام الإيمان

  1. (١) «ثم لو صحّ ... حقيقة الأمر» ساقط من ع لانتقال النظر.
  2. (٢) كما في «شرح التلمساني» (ص ٢٤٥ - ٢٤٦) بنحوه.
  3. (٣) في النسخ عدا ج، ن: «الحق».
  4. (٤) كذا في عامَّة النسخ هنا وفي السطر التالي، ولعل الضمير راجع إلى النفس أو نفوس الفاعلين. والرسم في ع يحتمل: «أفعالنا».
652

بالشرع والجزاء. ونسبتها إلى الربِّ تعالى قضاءً وقدرًا، وخلقًا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا، فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا، بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللَّتين هما من أسباب الفعل.

فهذا المشهد يحقِّق عبوديّة: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والمشهد الأوَّل يحقِّق عبوديّة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، و١ يحقِّقان مشهدي: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٢٩ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، وقولِه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].

وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة، بل المعرفة روح العلم ولبُّه وكماله، وحقيقتها: العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده. ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقرَّبين، إنَّما يخالف لسان الفجَّار. نعم، لسان المقرَّبين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم وأحوالهم، فنسبته إليه كنسبة مقام التوكُّل إلى الرِّضا، والرِّضا إلى الحمد والشُّكر.

فإن قيل: كلامكم هذا بلسان العلم. ولو تكلَّمتم بلسان الحال لعلمتم صحَّة ما ذكرناه، فإنَّ صاحب الحال صاحبُ شهودٍ، وصاحبَ العلم صاحبُ غيبةٍ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارةً حاليَّةً علميَّةً، تنزُّلًا من الحال إلى العلم، فنقول٢: الحال تأثُّرٌ عن نورٍ من أنوار الأحديَّة والفردانيَّة، تستر العبد عن نفسه، وتبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أنَّه في هذه الحال قد يعتقد أنَّ الشاهد هو المشهود، حتَّى قال أبو يزيد في مثل هذه

  1. (١) ع: «وهما».
  2. (٢) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٢٤٦).
653

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي