بالشرع والجزاء. ونسبتها إلى الربِّ تعالى قضاءً وقدرًا، وخلقًا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا، فلم يجبرنا عليها ولم يكرهنا، بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللَّتين هما من أسباب الفعل.
وما جاء به العلم لا يناقض ما جاءت به المعرفة، بل المعرفة روح العلم ولبُّه وكماله، وحقيقتها: العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده. ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقرَّبين، إنَّما يخالف لسان الفجَّار. نعم، لسان المقرَّبين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم وأحوالهم، فنسبته إليه كنسبة مقام التوكُّل إلى الرِّضا، والرِّضا إلى الحمد والشُّكر.
فإن قيل: كلامكم هذا بلسان العلم. ولو تكلَّمتم بلسان الحال لعلمتم صحَّة ما ذكرناه، فإنَّ صاحب الحال صاحبُ شهودٍ، وصاحبَ العلم صاحبُ غيبةٍ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارةً حاليَّةً علميَّةً، تنزُّلًا من الحال إلى العلم، فنقول٢: الحال تأثُّرٌ عن نورٍ من أنوار الأحديَّة والفردانيَّة، تستر العبد عن نفسه، وتبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أنَّه في هذه الحال قد يعتقد أنَّ الشاهد هو المشهود، حتَّى قال أبو يزيد في مثل هذه
(١) ع: «وهما».
(٢) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٢٤٦).
الحال: سبحاني، وما في الجبَّة إلَّا الله١. ولا شكَّ أنَّ هذا الاعتقاد زورٌ وإن كان سببه نورًا من أنوار الأحديَّة، وصاحبه معذورٌ ما دام مستورًا عن نفسه بوارده، فإذا رُدَّ إلى رسمه وعقله وحسِّه حال ذلك الحال٢، وعلم صاحبه أنَّه كان زورًا حيث ظنَّ أنَّ الشاهد هو المشهود. فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم، وإن اعترفتم به حصل المقصود. فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق زورًا.
وإذا عُرف هذا في الحال عرف مثله في كون أحسن أعماله ذنبًا. فإنَّه لصدقه في الطلب، وبذله الجهد في العمل، واستفراغه الوسع فيه= يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونيَّة، وأنَّ المحرِّك له سواه، وأنَّه آلةٌ ومجرًى للمشيئة، وأنَّ نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها فعلٌ أو إرادةٌ أو حركةٌ. فإذا رجع إلى الحقيقة وشهد منَّة الله عليه، وأنَّه هو المحرِّك له، وأنَّ مشيئته هي التي أوجبت سعيه= رأى أحسن أعماله ذنبًا بهذا الاعتبار.
وأمَّا رؤيته أصفى قصوده قعودًا، فلأنَّ القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده قعد عن قصده، فإنَّ المقصود المراد أقربُ إلى اللِّسان من نطقه، وإلى القلب من قصده، فالقصد إليه: هو عين القعود عن القصد، لأنَّ القصد إنَّما يكون لبعيدٍ عن المقصود٣. أمَّا من هو أقرب إلى القاصد من ذاته، فمتى شاهد القاصدُ الحقيقةَ علم أنَّ قصده عين القعود عن قصده. والعبارة تزيد هذا المعنى جفوةً، والحوالة فيه على الحال والذوق.
(١) انظر ما سبق في (١/ ٢٣٨) وفي (ص ٣٤٢) من هذا المجلد.
(٢) زاد في ع: «وزال».
(٣) كذا في النسخ، ولعله سبق قلم، فمقتضى السياق: «القاصد».