الحال: سبحاني، وما في الجبَّة إلَّا الله١. ولا شكَّ أنَّ هذا الاعتقاد زورٌ وإن كان سببه نورًا من أنوار الأحديَّة، وصاحبه معذورٌ ما دام مستورًا عن نفسه بوارده، فإذا رُدَّ إلى رسمه وعقله وحسِّه حال ذلك الحال٢، وعلم صاحبه أنَّه كان زورًا حيث ظنَّ أنَّ الشاهد هو المشهود. فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم، وإن اعترفتم به حصل المقصود. فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق زورًا.
وإذا عُرف هذا في الحال عرف مثله في كون أحسن أعماله ذنبًا. فإنَّه لصدقه في الطلب، وبذله الجهد في العمل، واستفراغه الوسع فيه= يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونيَّة، وأنَّ المحرِّك له سواه، وأنَّه آلةٌ ومجرًى للمشيئة، وأنَّ نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها فعلٌ أو إرادةٌ أو حركةٌ. فإذا رجع إلى الحقيقة وشهد منَّة الله عليه، وأنَّه هو المحرِّك له، وأنَّ مشيئته هي التي أوجبت سعيه= رأى أحسن أعماله ذنبًا بهذا الاعتبار.
وأمَّا رؤيته أصفى قصوده قعودًا، فلأنَّ القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده قعد عن قصده، فإنَّ المقصود المراد أقربُ إلى اللِّسان من نطقه، وإلى القلب من قصده، فالقصد إليه: هو عين القعود عن القصد، لأنَّ القصد إنَّما يكون لبعيدٍ عن المقصود٣. أمَّا من هو أقرب إلى القاصد من ذاته، فمتى شاهد القاصدُ الحقيقةَ علم أنَّ قصده عين القعود عن قصده. والعبارة تزيد هذا المعنى جفوةً، والحوالة فيه على الحال والذوق.
(١) انظر ما سبق في (١/ ٢٣٨) وفي (ص ٣٤٢) من هذا المجلد.
(٢) زاد في ع: «وزال».
(٣) كذا في النسخ، ولعله سبق قلم، فمقتضى السياق: «القاصد».
فالجواب أن يقال: من أحالك على الحال فما أنصفك! فإنَّه أحالك على أمرٍ مشتركٍ بين الحقِّ والباطل، فإنَّ كلَّ من اعتقد شيئًا وطلبه طلبًا صادقًا، واستفرغ وسعه في الوصول إليه، كان له لا محالة فيه حالٌ ليست لغيره بحسب صدقه في طلبه وجمع همَّته وقصده عليه. وهذا يكون للأبرار والفجَّار، بل لأولياء الله وأعدائه، فكونُ الرجل له شهودٌ بمشهوده وحالٌ في طلبه لا يوجب كونه حقًّا ولا باطلًا. فإنَّ كلَّ من اعتقد عقيدةً، وارتاض وصقل قلبَه بأنواع الرِّياضة، وجزم بما اعتقده= تجلَّى له صورة معتقده في عالم نفسه، فيظنُّ ذلك كشفًا صحيحًا. وإن كان صادقًا في طلبه وحبِّه لما اعتقده كان له فيه حالٌ وتأثيرٌ بحسبه، فالحوالة على الحال حوالة مفلسٍ من العلم على غير مليءٍ به. ومن هاهنا دخل الداخل على أكثر السالكين وانعكس سيرهم، حيث أحالوا العلم على الحال وحكَّموه عليه.
وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقرَّبين بخلاف هذا. وهو إحالة الحال على العلم، وتحكيمُه عليه وتقديمُه، ووزنه به وحكُّه١ به. فإن وافقه العلم، وإلَّا كان حالًا فاسدًا منحرفًا عن أحوال الصدِّيقين بحسب بُعده عن العلم. فالعلم حاكمٌ والحال محكومٌ عليه، والعلم راعٍ والحال من رعيَّته. فمن لم يكن هذا أصلَ بناءِ سلوكه فسلوكُه فاسد، وغايته الانسلاخ من العلم والدِّين، كما جرى ذلك لمن جرى له. وبالله المستعان.
(١) تصحَّف في ج، ع وبعض المطبوعات إلى: «حكمه». ومعنى «حكُّه به» أي اختباره، كما يحكُّ الذهب ليُعرف أخالص هو أم بهرج. قال المؤلف في «الصواعق» (٢/ ٦٧٨): «فهلموا نضعِ الشبهاتِ جميعَها في الميزان ونحكَّها على المحكِّ يتبين أنها زغل وزيف».