مدارج السالكين

ونحن لا ننكر ما ذكرتم من غَيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، وبمحبوبه عن حبِّه؛ لكن ننكر كون هذا أكملَ حالًا من صاحب البقاء والتمييز وشهودِ الحقائق على ما هي عليه، فلا يحتاج يشهد حاله زورًا، لأنَّه لم يحصل له ما حصل لصاحب السُّكر والاصطلام من الزُّور، فهو أكمل منه حقيقةً وشرعًا.

وأمّا الغائب عن الحقيقة الكونيَّة بشهود فعله، فإنّه متى صحبه استصحاب عقد التوحيد، وأنّ مصدر كلِّ شيءٍ مشيئة الله وحده، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لا يتحرّك متحرِّكٌ في ظاهره وباطنه إلَّا به سبحانه= فلا تضرُّه الغيبة عن هذا المشهد باستغراقه في القصد والطلب والفعل إذ حكمه جارٍ عليه في هذه الحال. وليس ضيقُ قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماعِ إرادته وطلبه وفعله = ذنبًا، لا للخاصَّة ولا للعامَّة، ولا بالنِّسبة إلى مقامه أيضًا؛ فإنَّ الذنب تعمُّد مخالفة الأمر، وهذا ليس كذلك، ولا هذا مطالبٌ بالغيبة بشهود الحقيقة والفناءِ فيها عن شهود الفعل وقيامه به، مع اعتقاده أنَّه بمشيئة الله وحوله وقوَّته.

وأمَّا ما ذكرتم من أنَّ مشاهدة القرب تجعل القصد قعودًا، فكلامٌ له خبيء، وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله١:

ما بال عِيسِك لا يقرُّ قرارهاوإلامَ ظِلُّك لا يني متنقِّلا؟
  1. (١) ذكره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢/ ٨١) عن ابن إسرائيل. وهو محمد بن سَوَّار بن إسرائيل (ت ٦٧٧)، شاعر سلك في نظمه مسلك ابن الفارض وابن العربي، وصرَّح بالاتحاد. انظر: «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٥/ ٣٤٧) و«لسان الميزان» (٧/ ١٩٠).
656
فلسوف تعلم أنَّ سيرك لم يكنإلَّا إليك إذا بلغت المنزلا

وكأنَّ صاحبه يشير١ إلى أنَّه وجود قلبه ولسانه، ووجوده أقرب إليه من إرادته ونطقه. هذا خبيءُ هذا الكلام. وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثالِه وإفكهم علوًّا كبيرًا٢، بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه.

وأمَّا ما ذكرتم من القرب، فإن أردتم عموم قربه إلى كلِّ لسانٍ مِن نطقه وإلى كلِّ قلبٍ مِن قصده، فهذا لو صحَّ لكان قرب قدرةٍ وعلمٍ وإحاطةٍ، لا قربًا بالذات والوجود، فإنَّه سبحانه لا يمازج خلقه، ولا يخالطهم، ولا يتَّحد بهم. مع أنَّ هذا المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا أحدٍ من السلف الأخيار تسميتُه قربًا، ولم يجئ القرب في القرآن والسُّنَّة قطُّ إلَّا خاصًّا كما تقدَّم.

وإن أردتم القرب الخاصَّ إلى اللِّسان والقلب، فهذا قرب المحبَّة وقرب الرِّضا والأنس، كقرب العبد من ربِّه وهو ساجد. وهو نوعٌ آخر من القرب، لا مثال له ولا نظير، فإنَّ الرُّوح والقلب يقرب من الله تعالى وهو على عرشه، والرُّوح في البدن، وقد تقدَّم الإشارة إلى ذلك.

وهذا القرب لا ينافي القصد والطّلب، بل هو مشروطٌ بالقصد، فيستحيل وجوده بدونه. وكلَّما كان الطلب والقصد أتمَّ كان هذا القرب أقوى.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؟

  1. (١) ل، ش: «مشير».
  2. (٢) هنا ينتهي ما وُجد من المجلد الأول من نسخة شستربيتي (ش).
657

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي