مدارج السالكين
فلسوف تعلم أنَّ سيرك لم يكنإلَّا إليك إذا بلغت المنزلا

وكأنَّ صاحبه يشير١ إلى أنَّه وجود قلبه ولسانه، ووجوده أقرب إليه من إرادته ونطقه. هذا خبيءُ هذا الكلام. وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثالِه وإفكهم علوًّا كبيرًا٢، بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه.

وأمَّا ما ذكرتم من القرب، فإن أردتم عموم قربه إلى كلِّ لسانٍ مِن نطقه وإلى كلِّ قلبٍ مِن قصده، فهذا لو صحَّ لكان قرب قدرةٍ وعلمٍ وإحاطةٍ، لا قربًا بالذات والوجود، فإنَّه سبحانه لا يمازج خلقه، ولا يخالطهم، ولا يتَّحد بهم. مع أنَّ هذا المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا أحدٍ من السلف الأخيار تسميتُه قربًا، ولم يجئ القرب في القرآن والسُّنَّة قطُّ إلَّا خاصًّا كما تقدَّم.

وإن أردتم القرب الخاصَّ إلى اللِّسان والقلب، فهذا قرب المحبَّة وقرب الرِّضا والأنس، كقرب العبد من ربِّه وهو ساجد. وهو نوعٌ آخر من القرب، لا مثال له ولا نظير، فإنَّ الرُّوح والقلب يقرب من الله تعالى وهو على عرشه، والرُّوح في البدن، وقد تقدَّم الإشارة إلى ذلك.

وهذا القرب لا ينافي القصد والطّلب، بل هو مشروطٌ بالقصد، فيستحيل وجوده بدونه. وكلَّما كان الطلب والقصد أتمَّ كان هذا القرب أقوى.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؟

  1. (١) ل، ش: «مشير».
  2. (٢) هنا ينتهي ما وُجد من المجلد الأول من نسخة شستربيتي (ش).
657

قيل: هذه الآية فيها قولان للناس:

أحدهما: أنَّه قربه بعلمه، ولهذا قرَنَه بعلمه١. وحبل الوريد هو حبل العنق: عرقٌ بين الحلقوم والودجين، متى قُطع مات صاحبه. وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضًا، وعلمُ الله بأسرار العبد وما في ضميره لا يحجبه شيء.

والقول الثاني: أنَّه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه، فتكون٢ أقرب إليه من ذلك العرق. اختاره شيخنا٣، وسمعتُه يقول: هذا مثل قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وقولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، فإنَّ جبريل ﵇ هو الذي قصَّه عليه بأمر الله، فنسب تعليمه إليه إذ هو بأمره، وكذلك جبريل هو الذي قرأه عليه كما في «صحيح البخاري»٤ عن ابن عبَّاس في تفسير هذه الآية: فإذا قرأه رسولُنا فأنصت لقراءته حتَّى يقضيها.

قلت له: فأوَّل الآية يأبى ذلك، قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]. فقال: وكذلك خلقه الإنسانَ إنَّما هو بالأسباب وتخليق الملائكة.

قلت: وفي «صحيح مسلم»٥ من حديث حذيفة بن أسيدٍ ﵁ في

  1. (١) زاد في ع: «بوسوسة نفس الإنسان».
  2. (٢) ع: «فيكونون».
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢٨ - ١٢٩، ٢٣٣ - ٢٣٦، ٥٠٢ - ٥٠٧).
  4. (٤) برقم (٥، ٤٩٤٩، ٧٥٢٤) بمعناه. وأخرجه مسلم (٤٤٨) أيضًا.
  5. (٥) برقم (٢٦٤٥).
658

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي