تخليق النطفة: «فيقول الملك الذي يخلقه: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أسويٌّ أم غير سويٍّ؟ فيقضي ربُّك ما شاء ويكتب الملك»، فهو سبحانه الخالق وحده، ولا ينافي ذلك استعمال ملائكته١ بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق، فإنَّ أفعالهم وتخليقهم خلقٌ له سبحانه، فما ثمَّ خالقٌ على الحقيقة غيره.
والمقصود: أنَّ هذا موضعٌ ضلَّت فيه أفهام، وزلَّت فيه أقدام، واشتبه فيه معيَّة العلم والقدرة والإحاطة بالقرب، واشتبه فيه آثار قرب المحبَّة والرِّضا والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته، واشتبه فيه ما في الذِّهن بما في الخارج، واشتبه فيه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه، واشتبه فيه آثار الصِّفات بحقيقتها، وأنوار المعرفة بأنوار الذات. وأصحابه لتحكيمهم الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم، ولا يصغون إليه. وفي هذا كفاية، والله المستعان٢.
✽ ✽ ✽
(١) ع: «الملائكة».
(٢) هنا انتهت نسخة قيون أوغلو، وهي (الأصل) في تحقيق المجلَّدين الأول والثاني. كما انتهت أيضًا نسخة قَره جلبي زاده (ج)، ونسخة ولي الدين الأولى (ن)، ونسخة دار الكتب (ع).
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإيثار. قال الله تعالى في مدح أهله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الحشر: ٩].
فالإيثار ضدّ الشُّحِّ، فإنّ المؤثِرَ على نفسه تاركٌ لما هو محتاجٌ إليه، والشّحيح حريصٌ على ما ليس بيده، فإذا حصل بيده شَحَّ عليه وبَخِلَ بإخراجه. فالبخل ثمرة الشُّحِّ، والشُّحُّ يأمر بالبخل، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إيّاكم والشُّحَّ، فإنّ الشُّحّ أهلك مَن كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخِلُوا، وأمرهم بالقطيعة فقطَعوا»١.
فالبخيل: من أجاب داعيَ الشُّحِّ، والمُؤثِر: من أجاب داعيَ الجود.
وكذلك السّخاء عمّا في أيدي النّاس هو السّخاء، وهو أفضلُ من سخاء البذل. قال عبد الله بن المبارك ﵁: سخاء النّفس عمّا في أيدي النّاس أفضلُ من سخاء النّفس بالبذل٢.
(١) أخرجه أحمد (٦٤٨٧) وابن حبان (٥١٧٦) والحاكم (١/ ١١) والبيهقي (١٠/ ٢٤٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ضمن حديث طويل. وإسناده صحيح، واقتصر ابن أبي شيبة (٢٧١٣٩) وأبو داود (١٦٩٨) على الجزء الذي أورده المؤلف.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٤٥). وهو بلا نسبة في «أمالي القالي» (٢/ ٨٠) و«قوت القلوب» (١/ ٢٥١). ورواه ابن المرزبان في «المروءة» (١١٥)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٢/ ٤٦٣).