وهذا المنزل هو منزل الجود والسّخاء والإحسان، وسمِّي بمنزل «الإيثار» لأنّه أعلى مراتبه، فإنّ المراتب ثلاثةٌ١:
إحداها: أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه. فهو منزلة «السّخاء».
الثّانية: أن يُعطي الأكثر، ويُبقي له شيئًا، أو يُبقي مثل ما أعطى. فهو «الجود».
الثّالثة: أن يُؤثِر غيره بالشّيء مع حاجته إليه، فهي مرتبة «الإيثار». وعكسها الأَثَرة، وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاجٌ إليه، وهي المرتبة التي قال فيها النبي ﷺ للأنصار: «إنّكم ستَلْقَون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتّى تَلْقَوني على الحوض»٢. والأنصار: هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[الحشر: ٩]، فوصفهم بأعلى مراتب السّخاء، وكان ذلك فيهم معروفًا.
وكان قيس بن سعد بن عُبادة من الأجواد المعروفين، حتّى إنّه مرِضَ مرّةً، فاستبطأ إخوانَه في العيادة، فسأل عنهم، فقالوا: إنّهم يَستحْيُون ممّا لك عليهم من الدَّين، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان من الزِّيارة! ثمّ أمر مَن ينادي: من كان لقيسٍ عليه مالٌ فهو منه في حلٍّ. فما أمسى حتّى كُسِرتْ عَتبةُ بابه، لكثرة من عاده٣.
(١) كذا في النسخ بالهاء. وهذه المراتب مذكورة في «الرسالة القشيرية» (ص ٥٣٦).
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٣٠) ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد، وأخرجه البخاري (٣٧٩٢، ٧٠٥٧) ومسلم (١٨٤٥) من حديث أسيد بن حضير، وأخرجه البخاري (٣٧٩٣) ومسلم (١٠٥٩) من حديث أنس بن مالك.
وقالوا له يومًا: هل رأيتَ أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأةٍ، فحضر زوجها، فقالت: إنّه نزل بك ضِيفانٌ. فجاء بناقةٍ فنحرها، وقال: شأْنَكم! فلمّا كان من الغد جاء بأخرى فنحرَها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرتَ البارحةَ إلّا اليسير، فقال: إنِّي لا أُطعِم أضيافي البائتَ. فبقينا عنده يومين أو ثلاثةً، والسّماء تُمطِر، وهو يفعل ذلك. فلمّا أردنا الرّحيلَ وضعنا مائة دينارٍ في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه. ومضينا، فلمّا مَتَعَ١ النّهارُ إذا نحن برجلٍ يصيح خلفنا: قِفُوا أيُّها الرّكْبُ اللِّئام، أعطيتموني ثمنَ قِرَايَ؟ لحِقَنا، وقال: لتأخذُنَّه أو لأُطاعِننَّكم برمحي، فأخذناه وانصرف٢.
فتأمّلْ سرَّ التّقدير، حيث قدَّر الحكيم الخبير سبحانَه استئثارَ النّاس على الأنصار بالدُّنيا ــ وهم أهل الإيثار ــ ليجازِيَهم على إيثارهم في الدُّنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنّاتِ عدنٍ على النّاس، فيظهر حينئذٍ فضيلةُ إيثارهم ودرجتُه، ويَغْبِطُهم من استأثر عليهم بالدُّنيا أعظمَ غِبْطةٍ. وذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فإذا رأيتَ النّاس يستأثرون عليك ــ مع كونك من أهل الإيثار ــ فاعلَمْ أنّه لخيرٍ يُراد بك.
(١) أي بلغ غاية ارتفاعه، وهو ما قبل الزوال. وغيِّرت هذه الكلمة في المطبوع إلى «طلع» وهو خلاف النسخ.
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٣٩). والخبر في «قرى الضيف» لابن أبي الدنيا (١٧)، و«تاريخ دمشق» (٤٩/ ٤١٩).