مدارج السالكين

وقالوا له يومًا: هل رأيتَ أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأةٍ، فحضر زوجها، فقالت: إنّه نزل بك ضِيفانٌ. فجاء بناقةٍ فنحرها، وقال: شأْنَكم! فلمّا كان من الغد جاء بأخرى فنحرَها، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرتَ البارحةَ إلّا اليسير، فقال: إنِّي لا أُطعِم أضيافي البائتَ. فبقينا عنده يومين أو ثلاثةً، والسّماء تُمطِر، وهو يفعل ذلك. فلمّا أردنا الرّحيلَ وضعنا مائة دينارٍ في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه. ومضينا، فلمّا مَتَعَ١ النّهارُ إذا نحن برجلٍ يصيح خلفنا: قِفُوا أيُّها الرّكْبُ اللِّئام، أعطيتموني ثمنَ قِرَايَ؟ لحِقَنا، وقال: لتأخذُنَّه أو لأُطاعِننَّكم برمحي، فأخذناه وانصرف٢.

فتأمّلْ سرَّ التّقدير، حيث قدَّر الحكيم الخبير سبحانَه استئثارَ النّاس على الأنصار بالدُّنيا ــ وهم أهل الإيثار ــ ليجازِيَهم على إيثارهم في الدُّنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنّاتِ عدنٍ على النّاس، فيظهر حينئذٍ فضيلةُ إيثارهم ودرجتُه، ويَغْبِطُهم من استأثر عليهم بالدُّنيا أعظمَ غِبْطةٍ. وذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

فإذا رأيتَ النّاس يستأثرون عليك ــ مع كونك من أهل الإيثار ــ فاعلَمْ أنّه لخيرٍ يُراد بك.

  1. (١) أي بلغ غاية ارتفاعه، وهو ما قبل الزوال. وغيِّرت هذه الكلمة في المطبوع إلى «طلع» وهو خلاف النسخ.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٥٣٩). والخبر في «قرى الضيف» لابن أبي الدنيا (١٧)، و«تاريخ دمشق» (٤٩/ ٤١٩).
5

فصل

والجود عشر مراتبَ:

إحداها: الجود بالنّفس، وهو أعلى مراتبه، كما قال الشّاعر١:

يجودُ بالنّفس إذ ضَنَّ٢ الجوادُ بهاوالجودُ بالنّفسِ أقصى غايةِ الجُود

الثّانية: الجود بالرِّئاسة، وهو ثاني مراتب الجود، فيَحمِلُ الجوادَ جودُه على امتهانِ رئاسته، والجودِ بها، والإيثارِ في قضاء حاجة الملتمس.

الثّالثة: الجود براحته ورفاهيتِه وإجمامِ نفسه، فيجود بها نَصَبًا وكَدًّا في مصلحة غيره. ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذّته لمُسامِرِه، كما قيل٣:

مُتيَّمٌ بالنّدى لو قال سائلُههَبْ لي جميعَ كَرَى عينيكَ لم يَنَم

الرّابعة: الجود بالعلم وبذْله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجودُ به أفضلُ من الجود بالمال؛ لأنّ العلم أشرف من المال.

والنّاس في الجود به على مراتب متفاوتةٍ، وقد اقتضت حكمةُ الله وتقديره النّافذ أن لا ينفعَ به بخيلًا أبدًا.

ومن الجود به: أن تبذله لمن لم٤ يسألك عنه، بل تَطْرحه عليه طَرْحًا٥.

  1. (١) هو مسلم بن الوليد، والبيت من قصيدة طويلة له في «ديوانه» (ص ١٦٤).
  2. (٢) ل، د: «ظن»، خطأ.
  3. (٣) البيت لأبي إسحاق الغزّي في «ديوانه» (ص ٥٧٩).
  4. (٤) «لم» ساقطة من المطبوع، فانقلب المعنى.
  5. (٥) ل، ش: «طرحانا». ولم أجد هذا المصدر في المعاجم، والمثبت من د.
6

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي