مدارج السالكين

ومن الجود به: أنّ السّائل إذا سألك عن مسألةٍ استقصيتَ له جوابَها شافيًا، لا يكون جوابك له بقدرِ ما تُدفع به الضّرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا «نعم» أو «لا»، مقتصرًا عليها.

ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك أمرًا عجيبًا: كان إذا سُئل عن مسألةٍ حكميّةٍ، ذكر في جوابها مذاهبَ الأئمّة الأربعة إذا قدَرَ عليه، ومأخذَ الخلاف، وترجيحَ القول الرّاجح، وذكر متعلّقاتِ المسألة التي ربّما تكون أنفعَ للسّائل من مسألته، فيكون فرحُه بتلك المتعلّقات١ واللّوازم أعظمَ من فرحه بمسألته.

وهذه فتاواه بين النّاس، فمن أحبَّ الوقوفَ عليها رأى ذلك.

فمن جود الإنسان بالعلم: أنّه لا يقتصر على مسألة السّائل، بل يذكر له نظيرَها ومتعلَّقها ومأخذَها، بحيث يشفيه ويكفيه.

وقد سأل الصّحابة ﵃ النّبيَّ ﷺ عن التَّوضِّي٢ بماء البحر؟ فقال: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه»٣. فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم

  1. (١) ل: «التعلقات».
  2. (٢) كذا في النسخ بالياء مصدر «توضَّيتُ»، وهي لغة كما في «تاج العروس» (١/ ٤٩٠)، وشائعة عند الفقهاء في كتبهم. واعتبرها بعضهم لحنًا، انظر: «درة الغواص» (ص ٢٦٣)، و«تصحيح التصحيف» (ص ١٩٦).
  3. (٣) أخرجه أحمد (٧٢٣٣)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٨)، وابن ماجه (٣٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الترمذي وابن خزيمة (١١١) وابن حبان (٤٣٢٧، ٥٨١٥) والحاكم (١/ ١٤١) وغيرهم.
7

بما لعلَّهم في الأحيان١ إليه أحوجُ ممّا سألوه عنه.

وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبَّهَهم على علّته وحكمته، كما سألوه عن بيع الرُّطَب بالتّمر؟ فقال: «أيَنقُصُ الرُّطَب إذا جَفَّ؟»، قالوا: نعم. قال٢: «فلا إذَنْ»٣. ولم يكن يخفى عليه ﷺ نقصان الرُّطب بجفافه، ولكن نبَّههم على علّة الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا في أجوبته ﷺ، مثل قوله: «إن بِعتَ من أخيك ثَمَرًا فأصابتْها جائحةٌ، فلا يحلُّ لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»٤. وفي لفظٍ: «أرأيتَ إن منعَ الله الثّمرة بِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»٥، فصرّح بالعلّة التي يَحرُم لأجلها إلزامُه بالثّمن، وهي منعُ اللهِ الثّمرة الذي٦ ليس للمشتري فيه صنعٌ.

وكان خصومه٧ يعيبونه بذلك، ويقولون: يسأله السّائل عن طريق مصر مثلًا، فيذكر له معها طريق مكّة والمدينة وخراسان والعراق والهند، وأيُّ حاجةٍ بالسّائل إلى ذلك؟

  1. (١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «في بعض الأحيان». ولا داعي للزيادة.
  2. (٢) ل: «فقالوا: نعم، فقال».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٥١٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وصححه الترمذي وابن حبان (١٩٠٧، ٥٦١٦) والحاكم (٢/ ٣٨، ٣٩).
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٥٥٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  6. (٦) ل: «التي». والمثبت من النسخ الأخرى، و«الذي» صلة للمنع.
  7. (٧) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية.
8

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي