مدارج السالكين

بما لعلَّهم في الأحيان١ إليه أحوجُ ممّا سألوه عنه.

وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبَّهَهم على علّته وحكمته، كما سألوه عن بيع الرُّطَب بالتّمر؟ فقال: «أيَنقُصُ الرُّطَب إذا جَفَّ؟»، قالوا: نعم. قال٢: «فلا إذَنْ»٣. ولم يكن يخفى عليه ﷺ نقصان الرُّطب بجفافه، ولكن نبَّههم على علّة الحكم. وهذا كثيرٌ جدًّا في أجوبته ﷺ، مثل قوله: «إن بِعتَ من أخيك ثَمَرًا فأصابتْها جائحةٌ، فلا يحلُّ لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»٤. وفي لفظٍ: «أرأيتَ إن منعَ الله الثّمرة بِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»٥، فصرّح بالعلّة التي يَحرُم لأجلها إلزامُه بالثّمن، وهي منعُ اللهِ الثّمرة الذي٦ ليس للمشتري فيه صنعٌ.

وكان خصومه٧ يعيبونه بذلك، ويقولون: يسأله السّائل عن طريق مصر مثلًا، فيذكر له معها طريق مكّة والمدينة وخراسان والعراق والهند، وأيُّ حاجةٍ بالسّائل إلى ذلك؟

  1. (١) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «في بعض الأحيان». ولا داعي للزيادة.
  2. (٢) ل: «فقالوا: نعم، فقال».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٥١٥)، وأبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وصححه الترمذي وابن حبان (١٩٠٧، ٥٦١٦) والحاكم (٢/ ٣٨، ٣٩).
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٥٥٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  6. (٦) ل: «التي». والمثبت من النسخ الأخرى، و«الذي» صلة للمنع.
  7. (٧) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية.
8

ولَعَمرُ الله ليس ذلك بعيبٍ، وإنّما العيب: الجهل والكبر، وهذا موضع المثل المشهور١:

لَقَّبوه بحامضٍ وهو حُلْوٌمثلَ من لم يَصِلْ إلى العُنْقود

الخامسة: الجود بالنّفع بالجاه، كالشّفاعة والمشي مع الرّجل إلى ذي سلطانٍ ونحوه. وذلك زكاة الجاه المُطالَبُ بها العبد، كما أنّ التّعليم وبذْلَ العلم زكاته.

السّادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كما قال النبي ﷺ: «يصبح على كلِّ سُلَامى من أحدكم صدقةٌ كلَّ يومٍ تَطلُع فيه الشّمس، يَعدِلُ بين الاثنين: صدقةٌ، ويعين الرّجل في دابّته فيحمِله٢ عليها أو يرفع له عليها متاعَه: صدقةٌ، والكلمة الطّيِّبة: صدقةٌ، وبكلِّ خطوةٍ يمشيها الرّجل إلى الصّلاة: صدقةٌ، ويُمِيط الأذى عن الطّريق: صدقةٌ». متّفقٌ عليه٣.

السّابعة: الجود بالعِرض، كجود أبي ضَمْضمٍ من الصّحابة٤

  1. (١) البيت لصدر الدين ابن الوكيل (ت ٧١٦) في «فوات الوفيات» (٤/ ١٩) و«الوافي بالوفيات» (٤/ ٢٧٢)، ولعلاء الدين الوداعي (ت ٧١٦) في «الوافي بالوفيات» (٢٢/ ٢٠٢).
  2. (٢) ل: «ليحمله».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٩٨٩) ومسلم (١٠٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) ذكره في الصحابة ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٦٩٤) وتبعه غيره، وتعقَّبه ابن فتحون فقال: إن الرجل لم يكن من هذه الأمة، وإنما كان قبلها، فأخبرهم النبي ﷺ بحاله تحريضًا على أن يعملوا بعمله. وذكره الحافظ ابن حجر في القسم الرابع من «الإصابة» (١٢/ ٣٧٩)، وفصَّل الكلام عليه، وسيأتي في تخريج الحديث ما يؤيِّد أنه ليس صحابيًّا.
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي