مدارج السالكين

ولَعَمرُ الله ليس ذلك بعيبٍ، وإنّما العيب: الجهل والكبر، وهذا موضع المثل المشهور١:

لَقَّبوه بحامضٍ وهو حُلْوٌمثلَ من لم يَصِلْ إلى العُنْقود

الخامسة: الجود بالنّفع بالجاه، كالشّفاعة والمشي مع الرّجل إلى ذي سلطانٍ ونحوه. وذلك زكاة الجاه المُطالَبُ بها العبد، كما أنّ التّعليم وبذْلَ العلم زكاته.

السّادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كما قال النبي ﷺ: «يصبح على كلِّ سُلَامى من أحدكم صدقةٌ كلَّ يومٍ تَطلُع فيه الشّمس، يَعدِلُ بين الاثنين: صدقةٌ، ويعين الرّجل في دابّته فيحمِله٢ عليها أو يرفع له عليها متاعَه: صدقةٌ، والكلمة الطّيِّبة: صدقةٌ، وبكلِّ خطوةٍ يمشيها الرّجل إلى الصّلاة: صدقةٌ، ويُمِيط الأذى عن الطّريق: صدقةٌ». متّفقٌ عليه٣.

السّابعة: الجود بالعِرض، كجود أبي ضَمْضمٍ من الصّحابة٤

  1. (١) البيت لصدر الدين ابن الوكيل (ت ٧١٦) في «فوات الوفيات» (٤/ ١٩) و«الوافي بالوفيات» (٤/ ٢٧٢)، ولعلاء الدين الوداعي (ت ٧١٦) في «الوافي بالوفيات» (٢٢/ ٢٠٢).
  2. (٢) ل: «ليحمله».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٢٩٨٩) ومسلم (١٠٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) ذكره في الصحابة ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١٦٩٤) وتبعه غيره، وتعقَّبه ابن فتحون فقال: إن الرجل لم يكن من هذه الأمة، وإنما كان قبلها، فأخبرهم النبي ﷺ بحاله تحريضًا على أن يعملوا بعمله. وذكره الحافظ ابن حجر في القسم الرابع من «الإصابة» (١٢/ ٣٧٩)، وفصَّل الكلام عليه، وسيأتي في تخريج الحديث ما يؤيِّد أنه ليس صحابيًّا.
9

﵃، كان إذا أصبح قال: اللهمَّ إنّه لا مالَ لي فأتصدَّقَ به على النّاس، وقد تصدّقتُ عليهم بعِرضي، فمن شَتَمني أو قَذَفني فهو في حِلٍّ. فقال النّبيُّ ﷺ: «مَن يستطيع منكم أن يكون كأبي ضَمْضَمٍ؟»١.

وفي هذا الجود من سلامة الصّدر، وراحة القلب، والتّخلُّص من معاداة الخلق= ما فيه.

الثّامنة: الجود بالصّبر والاحتمالِ والإغضاءِ. وهذه مرتبةٌ شريفةٌ من مراتبه، وهي أنفعُ لصاحبها من الجود بالمال، وأعزُّ له وأنصرُ، وأملكُ لنفسه، وأشرفُ لها. ولا يقدِر عليها إلّا النُّفوس الكبار.

  1. (١) أخرج أبو داود (٤٨٨٧) من طريق حماد عن ثابت عن عبد الرحمن بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ: «أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟» قالوا: ومَن أبو ضمضم؟ قال: «رجل فيمن كان من قبلكم ...» الحديث، وهو مرسل. قال أبو داود: رواه هاشم بن القاسم قال عن محمد بن عبد الله العمي عن ثابت قال: حدثنا أنس عن النبي ﷺ بمعناه. قال أبو داود: وحديث حماد أصحّ. وأخرجه أبو داود (٤٨٨٦) نحوه من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة موقوفًا. وحديث أنس الذي أشار إليه أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ١٣٧) والبزّار (٦٨٩٢) وفيه أيضًا: «كان رجلًا قبلنا». ومحمد بن عبد الله العمّي ليّن الحديث. ووهم ابن عبد البر فذكر أبا ضمضم في الصحابة وقال: روى عنه الحسن وقتادة أنه قال: «اللهم إني قد تصدَّقتُ بعرضي على عبادك». قال: وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: إنَّ رجلًا من المسلمين قال. فذكر مثله. قال ابن عبد البر: أظنُّه أبا ضمضم المذكور. («الاستيعاب» ٤/ ١٦٩٤) .. وردّ عليه ابن فتحون وابن حجر في «الإصابة» (١٢/ ٣٧٩ - ٣٨١) وبيَّنا خطأه فيما توهَّمه من أن الصحابي في حديث أبي هريرة هو أبو ضمضم، بل هو عُلبة بن زيد الأنصاري الذي رُوي عنه نحو هذه القصة. انظر: «الإصابة» (٧/ ٢٤٦ - ٢٤٨).
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي