مدارج السالكين

وتكسوهم وتَعْرى، وتَسقيهم وتَظْمأ، بحيث لا يؤدِّي ذلك إلى ارتكاب ثلاث١ لا يجوز في الدِّين، مثل٢ أن تُؤثِرهم بمالك وتقعد كَلًّا مضطرًّا، مستشرفًا للنّاس أو سائلًا، وكذلك إيثارهم بكلِّ ما يَخْرِم على المؤثر دينَه، فإنّه سَفَهٌ وعَجْزٌ يُذَمُّ المؤثِرُ به عند الله وعند النّاس.

وأمّا قوله: (ولا يقطع عليك طريقًا)، أي لا يقطع عليك طريق الطّلب والمسيرِ إلى الله تعالى، مثل أن تُؤثِر جليسَك على ذكرِك بتوجُّهِك وجمعيّتك على الله، فتكون قد آثرتَه على الله، وآثرتَ بنصيبك من الله مَن لا يستحقُّ الإيثار، فيكون مَثَلُك كمَثَلِ مسافرٍ سائرٍ على الطّريق لقيه رجلٌ فاستوقفه، وأخذ يُحدِّثه ويُلهِيه حتّى فاتَه الرِّفاق. وهذا حال أكثر الخلق مع الصّادق السّائر إلى الله تعالى، فإيثارهم عليه عَيْنُ الغَبْن. وما أكثرَ المؤثرين على الله تعالى غيرَه، وما أقلَّ المؤثرين الله على غيره٣!

وكذلك الإيثار بما يُفْسِد على المؤثِرِ وقتَه قبيحٌ أيضًا، مثل٤ أن يُؤثِر بقُوتِه ويتفرَّق قلبه في طلب خلفه، أو يؤثر بأمرٍ قد جمع قلبَه وهمَّه٥ على الله، فيتفرَّق قلبه عليه بعد جمعيّته ويتشتَّت خاطرُه. فهذا أيضًا إيثارٌ غير محمودٍ.

  1. (١) كذا في النسخ وهو صواب، والمراد: خرم الدين وقطع الطريق وإفساد الوقت، الأمور الثلاثة التي ذكرها صاحب «المنازل». وغيَّرها في المطبوع إلى «إتلاف».
  2. (٢) ل: «ومثل».
  3. (٣) ش، د: «المؤثرين على الله غيره». وكذا كان في ل، ثم أصلحه إلى ما أثبتناه، وبه يستقيم المعنى.
  4. (٤) «مثل» ساقطة من د.
  5. (٥) ل: «وهمته».
14

وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهمّاتهم ومصالحهم التي لا تتعيّن عليك، على الفكرِ في العلم النّافع واشتغالِ القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حالُ الخلق الغالبُ عليهم.

وكلُّ سببٍ يعود١ بصلاح قلبك٢ وحالك مع الله: فلا تُؤثِرْ به أبدًا، فإنّما تُؤثِر الشّيطانَ على الله وأنت لا تعلم.

وتأمّلْ أحوالَ أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرُّهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأيُّ جهالةٍ وسَفَهٍ فوق هذا؟

ومن هذا تكلّم الفقهاء في الإيثار بالقُرَب، وقالوا: إنّه مكروهٌ أو محرَّم٣. كمن يُؤثِر بالصّفِّ الأوّل غيرَه ويتأخّر هو، أو يُؤثِر بقربه من الإمام يومَ الجمعة، أو يُؤثِر غيرَه بالأذان والإمامة، أو يُؤثره بعلمٍ يَحرِمُه نفسَه، ويُرفِّهُه٤ عليه، فيفوز به دونه.

وتكلّموا في إيثار عائشة لعمر بن الخطّاب ﵄ بمدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها٥.

  1. (١) ل: «يعود عليك». والمثبت من ش، د.
  2. (٢) بعدها في ل: «ووقتك». وليست في ش، د.
  3. (٣) انظر كلام المؤلف في هذا الموضوع في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٣)، و«الروح» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٦٣٢ - ٦٣٣).
  4. (٤) كذا في النسخ، والمعنى: يجعله في رفاهية فيفيده ويحرم نفسه. انظر ما سبق قريبًا (ص ١١). وفي المطبوع: «ويرفعه».
  5. (٥) كما رواه البخاري (١٣٩٢، ٧٣٢٨).
15

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي