مدارج السالكين

وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهمّاتهم ومصالحهم التي لا تتعيّن عليك، على الفكرِ في العلم النّافع واشتغالِ القلب بالله. ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حالُ الخلق الغالبُ عليهم.

وكلُّ سببٍ يعود١ بصلاح قلبك٢ وحالك مع الله: فلا تُؤثِرْ به أبدًا، فإنّما تُؤثِر الشّيطانَ على الله وأنت لا تعلم.

وتأمّلْ أحوالَ أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرُّهم إيثارهم له ولا ينفعهم، وأيُّ جهالةٍ وسَفَهٍ فوق هذا؟

ومن هذا تكلّم الفقهاء في الإيثار بالقُرَب، وقالوا: إنّه مكروهٌ أو محرَّم٣. كمن يُؤثِر بالصّفِّ الأوّل غيرَه ويتأخّر هو، أو يُؤثِر بقربه من الإمام يومَ الجمعة، أو يُؤثِر غيرَه بالأذان والإمامة، أو يُؤثره بعلمٍ يَحرِمُه نفسَه، ويُرفِّهُه٤ عليه، فيفوز به دونه.

وتكلّموا في إيثار عائشة لعمر بن الخطّاب ﵄ بمدفنه عند رسول الله ﷺ في حجرتها٥.

  1. (١) ل: «يعود عليك». والمثبت من ش، د.
  2. (٢) بعدها في ل: «ووقتك». وليست في ش، د.
  3. (٣) انظر كلام المؤلف في هذا الموضوع في «طريق الهجرتين» (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٣)، و«الروح» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٦٣٢ - ٦٣٣).
  4. (٤) كذا في النسخ، والمعنى: يجعله في رفاهية فيفيده ويحرم نفسه. انظر ما سبق قريبًا (ص ١١). وفي المطبوع: «ويرفعه».
  5. (٥) كما رواه البخاري (١٣٩٢، ٧٣٢٨).
15

وأجابوا عنه بأنّ الميِّت ينقطع عملُه بموته وتقرُّبه. فلا يُتصوّر في حقِّه الإيثار بالقرب بعد الموت، إذ لا تقرُّبَ في حقِّ الميِّت. وإنّما هذا إيثارٌ بمسكنٍ شريفٍ فاضلٍ لمن هو أولى به منه، فالإيثار به قربةٌ إلى الله للمؤثر.

فصل

قال١: (ولا يُستطاع إلّا بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقوق، ومَقْتِ الشُّحِّ، والرّغبةِ في مكارم الأخلاق).

ذَكر ما يُعِين على الإيثار ويبعث عليه، وهو ثلاثة أشياء:

تعظيم الحقوق، فإنّ من عظُمت الحقوق عنده قام بواجبها، ورعاها حقَّ رعايتها، واستعظمَ إضاعتَها، وعلمَ أنّه إن لم يبلغ درجةَ الإيثار لم يُؤدِّها كما ينبغي، فيجعل إيثاره احتياطًا لأدائها.

الثّاني: مَقْتُ الشُّحِّ، فإنّه إذا مَقتَه وأبغضَه التزم الإيثار، فإنّه يرى أنّه لا خلاصَ له من هذا المَقِيت البغيض إلّا بالإيثار.

الثّالث: الرّغبة في مكارم الأخلاق، وبحسبِ رغبته فيها يكون إيثاره، لأنّ الإيثار أفضلُ درجاتِ مكارم الأخلاق.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّانية: إيثار رضا الله على رضا غيره، وإن عظُمتْ فيه المِحَن، وثَقُلَتْ فيه المُؤَن، وضعُفَ عنه الطَّوْلُ والبدن).

إيثار رضا الله ﷿ على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاتُه،

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ٤٥). وفيه: «ويُستطاع هذا بثلاثة أشياء».
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٤٥).
16

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي