قال بعض السّلف١: لمصانعةُ وجهٍ واحدٍ أيسرُ عليك من مصانعة وجوهٍ كثيرةٍ، إنّك إذا صانعتَ ذلك الوجهَ الواحدَ كفاك الوجوهَ كلَّها.
وقال الشّافعيُّ ﵁٢: رِضا النّاس غايةٌ لا تُدْرَك، فعليك بما فيه صلاحُ نفسك فالزَمْه.
ومعلومٌ أنّه لا صلاحَ للنّفس إلّا بإيثار رضا بارِئها ومولاها على غيره. ولقد أحسن أبو فراسٍ ﵀ في قوله، إلّا أنّه أساء كلَّ الإساءة إذ يقوله لمخلوقٍ لا يملك له ولا لنفسِه ضَرًّا ولا نفعًا:
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌوبيني وبين العالمين خَرابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌوكلُّ الذي فوقَ التُّراب ترابُ٣
(١) هو أبو حازم سلمة بن دينار، انظر: «حلية الأولياء» (٣/ ٢٣٩)، و«سير السلف» لقوام السنة (ص ٨٠٢)، و«صفة الصفوة» (١/ ٢٨٦)، و«تاريخ الإسلام» (٣/ ٦٦٥)، و«سير أعلام النبلاء» (٦/ ١٠٠)، و«تذكرة الحفاظ» (١/ ١٣٣).
(٢) انظر: «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٢٧٨، ٢٧٩)، و«حلية الأولياء» (٩/ ١٢٢)، و«صفة الصفوة» (١/ ٤٣٦)، و«معجم الأدباء» (٦/ ٢٤٠٥)، و«وفيات الأعيان» (٧/ ٢٥٢)، و«سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٨٩) وغيرها. ورُوي القسم الأول منه في كلام أكثم بن صيفي، كما في «مجمع الأمثال» (١/ ٣٠١) و«المستقصى» (٢/ ١٠٠)، وروي أيضًا عن سفيان الثوري كما في «الزهد الكبير» للبيهقي (١٦٨) و«حلية الأولياء» (٦/ ٣٨٦).
(٣) أورد المؤلف الأبيات الثلاثة في «الرسالة التبوكية» (ص ٩١، ٩٢) بلا نسبة. والأولان من قصيدة طويلة لأبي فراس الحمداني في «ديوانه» (١/ ٢٤). والبيت الثالث ضمن قصيدة للمتنبي (ص ٦٨٧ بشرح الواحدي).
ثمّ ذكر الشّيخ ﵀ ما يُستطاع به هذا الإيثار العظيم الشّأن، فقال١: (ويُستطاع هذا بثلاثة أشياء: بطَلَبِ العَود٢، وحُسْنِ الإسلام، وقوّةِ الصّبر).
من المعلوم: أنّ المُؤثِر لرضا الله متصدٍّ لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيِهم في إتلافه ولا بدَّ، هذه سنّة الله في خلقه. وإلّا فما ذنبُ الأنبياء والرُّسل، والّذين يأمرون بالقسط من النّاس، والقائمين بدين الله، الذّابِّين عن كتابه وسنّة رسوله عندهم؟
فمن آثر رضا الله فلا بدّ أن يُعادِيَه رُذالةُ العالَم وسَقَطُهم٣، وغَرَثُهم٤ وجُهَّالُهم، وأهل البدع والفجور منهم، وأهلُ الرِّياسات الباطلة، وكلُّ من يخالف هدْيُه هدْيَه. فما يُقدِم على معاداة هؤلاء إلّا طالبٌ للرجوع إلى الله، عاملٌ على سماع خطاب ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ومَن إسلامه صلبٌ كاملٌ لا تُزعزِعه الرِّجال، ولا تُلَقْلِقُه٥ الجبال، ومَن عقدُ عزيمةِ صبره مُحكمٌ لا تَحُلُّه المِحَنُ والشّدائد والمخاوف.
(١) «منازل السائرين» (ص ٤٥).
(٢) في «المنازل» وشرحي الإسكندري والكاساني: «بطيب العُود». والمثبت من الأصول وهو ما في شرح التلمساني، ويؤيِّده قول المؤلف الآتي: «طالب للرجوع إلى الله».
(٤) ل: «غرتهم». د: «غِرَّتهم» مشكولة. والمثبت من ش، وهي كذلك بخط المؤلف في «طريق الهجرتين» (ص ٢١٩). وانظر تعليق المحقق عليه. والمقصود بهم هنا غوغاء الناس.