مدارج السالكين

ثمّ ذكر الشّيخ ﵀ ما يُستطاع به هذا الإيثار العظيم الشّأن، فقال١: (ويُستطاع هذا بثلاثة أشياء: بطَلَبِ العَود٢، وحُسْنِ الإسلام، وقوّةِ الصّبر).

من المعلوم: أنّ المُؤثِر لرضا الله متصدٍّ لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيِهم في إتلافه ولا بدَّ، هذه سنّة الله في خلقه. وإلّا فما ذنبُ الأنبياء والرُّسل، والّذين يأمرون بالقسط من النّاس، والقائمين بدين الله، الذّابِّين عن كتابه وسنّة رسوله عندهم؟

فمن آثر رضا الله فلا بدّ أن يُعادِيَه رُذالةُ العالَم وسَقَطُهم٣، وغَرَثُهم٤ وجُهَّالُهم، وأهل البدع والفجور منهم، وأهلُ الرِّياسات الباطلة، وكلُّ من يخالف هدْيُه هدْيَه. فما يُقدِم على معاداة هؤلاء إلّا طالبٌ للرجوع إلى الله، عاملٌ على سماع خطاب ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ومَن إسلامه صلبٌ كاملٌ لا تُزعزِعه الرِّجال، ولا تُلَقْلِقُه٥ الجبال، ومَن عقدُ عزيمةِ صبره مُحكمٌ لا تَحُلُّه المِحَنُ والشّدائد والمخاوف.

  1. (١) «منازل السائرين» (ص ٤٥).
  2. (٢) في «المنازل» وشرحي الإسكندري والكاساني: «بطيب العُود». والمثبت من الأصول وهو ما في شرح التلمساني، ويؤيِّده قول المؤلف الآتي: «طالب للرجوع إلى الله».
  3. (٣) الرذالة: الدون الخسيس. وأسقاط الناس: أوباشهم وأسافلهم.
  4. (٤) ل: «غرتهم». د: «غِرَّتهم» مشكولة. والمثبت من ش، وهي كذلك بخط المؤلف في «طريق الهجرتين» (ص ٢١٩). وانظر تعليق المحقق عليه. والمقصود بهم هنا غوغاء الناس.
  5. (٥) ل: «تقلقله». وكلاهما بمعنى التحريك.
20

قلت: ومِلاك ذلك أمران١: الزُّهد في الحياة والثّناء. فما ضعُفَ من ضعُفَ وتأخَّر من تأخَّر إلّا بحبِّه للحياة والبقاء، وثناءِ الخلق عليه، ونفرتِه من ذمِّهم له. فإذا زَهِد في هذين الشّيئين تأخّرتْ عنه العوارضُ كلُّها، وانغمس حينئذٍ في العساكر.

ومِلاكُ هذين الشّيئين بشيئين: صحّة اليقين، وقوّة المحبّة.

ومِلاكُ هذين بشيئين أيضًا: بصدق اللّجأ والطّلب، والتّصدِّي للأسباب الموصلة إليهما.

فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم، والتّوفيق بعدُ بيدِ مَن أزِمّةُ الأمور كلِّها بيدَيْه، ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ٣٠ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠ - ٣١].

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: إيثارُ إيثارِ الله، فإنّ الخوض في الإيثار دعوى في المُلْك، ثمّ تَرْك شهودِ رؤيتك إيثارَ الله، ثمّ غَيْبتك عن التّرك).

معنى إيثار إيثار الله: أن تَنسُب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرَّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلَّمتَ الإيثار إليه، فإذا آثرتَ غيرَك بشيءٍ فإنّ الذي آثره هو الحقُّ لا أنت، فهو المؤثِر حقيقةً، إذ هو المعطي حقيقةً.

ثمّ بيّن٣ الشّيخ ﵀ السّببَ الذي يصحُّ به نسبةُ الإيثار إلى الله، وتركُ

  1. (١) ل: «بأمرين».
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٤٥).
  3. (٣) ش، د: «يبين».
21

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي