مدارج السالكين

قلت: ومِلاك ذلك أمران١: الزُّهد في الحياة والثّناء. فما ضعُفَ من ضعُفَ وتأخَّر من تأخَّر إلّا بحبِّه للحياة والبقاء، وثناءِ الخلق عليه، ونفرتِه من ذمِّهم له. فإذا زَهِد في هذين الشّيئين تأخّرتْ عنه العوارضُ كلُّها، وانغمس حينئذٍ في العساكر.

ومِلاكُ هذين الشّيئين بشيئين: صحّة اليقين، وقوّة المحبّة.

ومِلاكُ هذين بشيئين أيضًا: بصدق اللّجأ والطّلب، والتّصدِّي للأسباب الموصلة إليهما.

فإلى هاهنا تنتهي معرفة الخلق وقدرتهم، والتّوفيق بعدُ بيدِ مَن أزِمّةُ الأمور كلِّها بيدَيْه، ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ٣٠ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠ - ٣١].

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: إيثارُ إيثارِ الله، فإنّ الخوض في الإيثار دعوى في المُلْك، ثمّ تَرْك شهودِ رؤيتك إيثارَ الله، ثمّ غَيْبتك عن التّرك).

معنى إيثار إيثار الله: أن تَنسُب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرَّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلَّمتَ الإيثار إليه، فإذا آثرتَ غيرَك بشيءٍ فإنّ الذي آثره هو الحقُّ لا أنت، فهو المؤثِر حقيقةً، إذ هو المعطي حقيقةً.

ثمّ بيّن٣ الشّيخ ﵀ السّببَ الذي يصحُّ به نسبةُ الإيثار إلى الله، وتركُ

  1. (١) ل: «بأمرين».
  2. (٢) «منازل السائرين» (ص ٤٥).
  3. (٣) ش، د: «يبين».
21

نسبتِه إلى نفسه، فقال: (فإنّ الخوضَ في الإيثار دعوى في المُلك). فإذا ادّعى العبد أنّه مُؤثِرٌ فقد ادّعى مُلْكَ ما آثر به غيره، والملك في الحقيقة إنّما هو لله الذي له كلُّ شيءٍ، فإذا خرج العبدُ عن دعوى الملك فقد آثر إيثارَ الله ــ وهو إعطاؤه ــ على إيثارِ نفسه، وشهد أنّ الله وحده هو المُؤثِر بملكه، وأمّا من لا مُلكَ له فأيُّ إيثارٍ له؟

وقوله: (ثمّ تَرْك شهودِ رؤيتك إيثار الله)، يعني أنّك إذا آثرتَ إيثارَ الله بتسليمك معنى الإيثار إليه، بَقِيَتْ عليك من نفسك بقيّةٌ أخرى لا بدّ من الخروج عنها، وهو أن تُعرِض عن شهودك ورؤيتِك أنّك آثرتَ الحقَّ بإيثارك، وأنّك نسبتَ الإيثار إليه لا إليك، فإنّ في شهودِك ذلك ورؤيتِك له دعوى أخرى هي أعظمُ من دعوى المُلْك، وهي أنّك ادّعيتَ أنّ لك شيئًا آثرتَ به الله وقدّمتَه على نفسك فيه، بعدَ أن كان لك١. وهذه الدّعوى أصعبُ من الأولى، فإنّها تتضمَّنُ ما تضمَّنَتْه الأولى من الملك، وتزيد عليها برؤية الإيثار به، فالأوّل مُدّعٍ للملك مؤثرٌ به، وهذا مُدّعٍ للملك ومُدّعٍ للإيثار به٢. فإذنْ يجب عليه تركُ شهود رؤيته لهذا الإيثار، فلا يعتقد أنّه آثرَ الله بهذا الإيثار، بل الله هو الذي استأثر به دونك، فإنّ الأَثَرة واجبةٌ له بإيجابه٣ إيّاها لنفسه، لا بإيجاب العبد إيّاها له.

قوله: (ثمّ غيبتك عن التّرك)، يريد: أنّك إذا تركتَ هذا الشُّهود وهذه

  1. (١) «لك» من ل فقط.
  2. (٢) «به» من ل.
  3. (٣) د: «بإيجابها». وكذا في ش وصححت في هامشها.
22

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي