وفي تخصيصه لأهل الصِّراط المستقيم بالنِّعمة ما دلّ على أنّ النِّعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدّائم. وأمّا مطلق النِّعمة فعلى المؤمن والكافر، فكلُّ الخلق في نعمةٍ٣. وهذا فصل النِّزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمةٍ أم لا؟ فالنِّعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلقُ النِّعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾[إبراهيم: ٣٤].
والنِّعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرّبُّ تعالى إحسانه
(١) ع: "خرق".
(٢) كذا ضبط "وأَحَلَّ" في م، ش، وهي قراءة أبي عمرو وغيره، وعليها بُني الاستدلال. أما الآية الأولى فحذف فيها الفاعل عند المؤلف من أجل ذكر "الرفث". انظر كلامه على هذه المسألة بتفصيل أكثر في "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٣) ضبط في ع: "نِعَمه".
على البرِّ والفاجر والمؤمن والكافر. وأمّا الإحسان المطلق فللّذين اتّقوا والّذين هم محسنون١.
الوجه الثاني: أنّ الله سبحانه هو المتفرِّد٢ بالنِّعم ﴿بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ﴾٣[النحل: ٥٣]، فأضيف إليه ما هو متفردٌ به. وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقًا ومجرًى للنِّعمة. وأمّا الغضب على أعدائه فلا يختصُّ به، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه، فكان في لفظة ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ من الإشعار بموافقة أوليائه له في غضبه ما لم يكن في "غضبت٤ عليهم". وكان في لفظة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من الدِّلالة على تفرُّده بالإنعام، وأنّ النِّعمة المطلقة منه وحده، هو المتفرد بها= ما ليس في لفظة "المنعَم عليهم"٥.
الوجه٦ الثّالث: أنّ في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكره. وفي ذكر فاعل النِّعمة من إكرامِ المنعَم عليه والإشادةِ بذكره ورفعِ قدره ما ليس في حذفه. فإذا رأيت من قد أكرمه ملِكٌ وشرَّفه ورفَع قدره، فقلتَ: هذا الذي أكرمه
(١) انظر: "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
(٢) ع: "المنفرد" هنا وفيما يأتي.
(٣) وقع في جميع النسخ: "فما بكم"، وقد أصلح بعضهم في م.
(٤) ج: "غضبنا"، تحريف.
(٥) ذكر السهيلي هذا الوجه في "نتائج الفكر" (ص ٢٣٨). وانظر: "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٢).