مدارج السالكين

الرُّؤية بقيتْ عليك بقيّةٌ أخرى، وهي رؤيتك لهذا التّرك المتضمِّنةُ١ لدعوى ملكك للتّرك، وهي دعوى كاذبةٌ، إذ ليس للعبد شيءٌ من الأمر، ولا بيده فعلٌ٢ ولا تركٌ، وإنّما الأمر كلُّه لله.

وقد تبيَّنَ في الكشف والشُّهود والعلم والمعرفة: أنّ العبد ليس له شيءٌ أصلًا، والعبد لا يملك حقيقةً، إنّما المالك بالحقيقة سيِّده. فالأَثَرة والإيثار والاستئثار كلُّها لله ومنه وإليه، سواءٌ اختار العبد ذلك وعلمَه أو٣ جهِلَه، أو لم يَخْتَرْه، فالأَثَرة واقعةٌ، كرِه العبد أم رضي، فإنّها استئثار المالكِ الحقِّ بمُلْكه تعالى. وقد فهمتَ من هذا المعنى قوله٤: (فإنّ الأثرةَ تَحسُنُ طَوْعًا، وتَصِحُّ كَرْهًا). والله أعلم.

  1. (١) ش، د: «المتضمنة له».
  2. (٢) ل: «لا فعل».
  3. (٣) ش، د: «و».
  4. (٤) السابق في (ص ١٢).
23

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخُلُق.

قال الله تعالى لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

قال ابنُ عبّاسٍ ومجاهدٌ: لعلى دينٍ عظيمٍ، لا دينَ أحبُّ إليّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام١.

وقال الحسن: هو آداب القرآن٢.

وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمرِ الله، وينتهي عنه من نهيِ الله٣. والمعنى: إنّك لعلى الخُلق الذي آثرك الله به في القرآن.

وفي «الصّحيحين»٤: أنّ هشام بن حكيمٍ سأل عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خُلُقُه القرآن، فقال: لقد هممتُ أن أقومَ فلا أسألَ شيئًا.

وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

  1. (١) «تفسير البغوي» (٤/ ٣٧٥). والمؤلف صادر عنه. وانظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٥٠)، و«تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٢٧).
  2. (٢) «تفسير البغوي» (٤/ ٣٧٥).
  3. (٣) المصدر السابق. وانظر: «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٢٧).
  4. (٤) أخرجه مسلم (٧٤٦) فقط. والسائل سعد بن هشام بن عامر، لا هشام بن حكيم.
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي