مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخُلُق.

قال الله تعالى لنبيِّه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

قال ابنُ عبّاسٍ ومجاهدٌ: لعلى دينٍ عظيمٍ، لا دينَ أحبُّ إليّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام١.

وقال الحسن: هو آداب القرآن٢.

وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمرِ الله، وينتهي عنه من نهيِ الله٣. والمعنى: إنّك لعلى الخُلق الذي آثرك الله به في القرآن.

وفي «الصّحيحين»٤: أنّ هشام بن حكيمٍ سأل عائشة ﵂ عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت: كان خُلُقُه القرآن، فقال: لقد هممتُ أن أقومَ فلا أسألَ شيئًا.

وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

  1. (١) «تفسير البغوي» (٤/ ٣٧٥). والمؤلف صادر عنه. وانظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ١٥٠)، و«تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٢٧).
  2. (٢) «تفسير البغوي» (٤/ ٣٧٥).
  3. (٣) المصدر السابق. وانظر: «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٢٧).
  4. (٤) أخرجه مسلم (٧٤٦) فقط. والسائل سعد بن هشام بن عامر، لا هشام بن حكيم.
24

قال جعفر بن محمّدٍ ﵄: أمر الله نبيّه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آيةٌ أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية١. وقد ذُكر أنّه لمّا نزلتْ هذه الآية قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما هذا؟»، قال: لا أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع إليه فقال: إنّ الله يأمرك أن تَصِلَ مَن قَطعَك، وتُعطِي من حَرَمَك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك٢.

ولا ريبَ أنّ للمُطَاع مع النّاس ثلاثةَ أحوالٍ:

أحدها: أمرُهم ونهيُهم بما فيه مصلحتهم.

الثّاني: أخذُه منهم ما يبذلونه ممّا عليهم من الطّاعة.

الثّالث: أنّ النّاس معه قسمان: مُوافقٌ له مُوالٍ، ومُعادٍ معارضٌ.

وعليه في كلِّ واحدٍ من هذه الأحوال واجبٌ.

فواجبُه في أمرهم ونهيهم: أن يأمر بالمعروف، وهو المعروف الذي٣ به صلاحُهم وصلاح شأنهم، وينهاهم عن ضدِّه.

وواجبُه فيما يبذلونه له من الطّاعة: أن يأخذ منهم ما سهُلَ عليهم،

  1. (١) انظر: «تفسير البغوي» (٢/ ٢٢٤)، و«تفسير القرطبي» (٧/ ٣٤٥) وغيرهما.
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٢٤٦)، والطبري (١٠/ ٦٤٣، ٦٤٤) وابن أبي حاتم (٥/ ١٦٣٨) وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» (٢٥) من طريق سفيان عن أميّ الصيرفي مرسلًا. ورواه ابن أبي حاتم عن أميّ عن الشعبي. وانظر: «الدر المنثور» (٦/ ٧٠٨). وروى الإمام أحمد (١٧٤٥٢) من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «صِلْ من قطعكَ وأعطِ مَن حَرَمك، واعفُ عمن ظلمك». وإسناده حسن.
  3. (٣) «الذي» ليست في ش، د.
25

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي