مدارج السالكين

ومفارقتِه، وتحمله على كظْم الغيظ١ والحِلم، فإنّه بقوّة نفسه وشجاعتها أمسكَ عِنانَها، وكبَحَها بلجامها عن التسرُّع والبَطْش، كما قال النّبيُّ ﷺ: «ليس الشّديدُ بالصُّرَعة، إنّما الشّديد الذي يملك نفسَه عند الغضب»٢. وهذه حقيقة الشّجاعة، وهي ملكةٌ يقتدر بها على قَهْر٣ خصمه.

والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسُّطِه فيها بين طرفَي الإفراط والتّفريط، فيحمله على خُلُق الجود والسّخاء الذي هو توسُّطٌ بين الإمساك والإسراف والتبذير، وعلى خُلق الحياء الذي هو توسُّطٌ بين الذُّلِّ والقِحَة، وعلى خُلق الشّجاعة الذي هو توسُّطٌ بين الجُبْن والتّهوُّر، وعلى خُلق الحِلم الذي هو توسُّطٌ بين الغضب والمَهانة وسقوط النّفس.

ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة٤.

ومنشأ جميع الأخلاق السّافلة وبناؤها على أربعة أركانٍ: الجهل، والظُّلم، والشّهوة، والغضب.

فالجهل: يُرِيه الحَسنَ في صورة القبيح، والقبيحَ في صورة الحسن، والكمالَ نقصًا والنّقصَ كمالًا.

والظُّلم: يحمله على وضع الشّيء في غير موضعه، فيغضب في موضع

  1. (١) ل: «كضم الغيض».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ش، د: «قصر».
  4. (٤) تكلم بعض العلماء في أصول الأخلاق الفاضلة والسافلة، انظر: «تهذيب الأخلاق» لمسكويه (ص ٢٥ وما بعدها)، و«إحياء علوم الدين» (٣/ ٥٤).
32

الرِّضا، ويعجل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويُحجِم في موضع الإقدام، أو يُقدِم في موضع الإحجام، ويَلِين في موضع الشِّدّة، ويشتدُّ في موضع اللِّين، ويتواضع في موضع العزّة، ويتكبّر في موضع التّواضع.

والشّهوة: تحمله على الحرص، والشُّحِّ والبخل، وعدمِ العفّة، والنَّهْمة١ والجَشَع، والذُّلِّ، والدَّناءاتِ٢ كلِّها.

والغضب: يحمله على الكِبر والحِقد والحسد والعدوان والسَّفَه.

ويتركّب من بين كلِّ خُلقينِ من هذه أخلاقٌ مذمومةٌ.

ومِلَاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النّفس في الضّعف، وإفراطها في القوّة. فيتولّد من إفراطها في الضّعف: المَهانةُ والبخل، والخِسَّة واللُّؤم، والذُّلُّ والحرص، والشُّحُّ وسَفْسَاف الأمور والأخلاق.

ويتولّد من إفراطها في القوّة: الظُّلم والغضب والحدّة والفُحش والطَّيش.

ويتولّد من تزوُّج أحدِ الخُلقين بالآخر أولادُ غِيَّةٍ٣ كثيرون، فإنّ النّفس قد تجمع قوّةً وضعفًا، فيكون صاحبها أجبرَ٤ النّاس إذا قَدر، وأذلَّهم إذا قُهِر، ظالم عَسُوفٌ جَبَّار، فإذا قُهِر صار أذلَّ من امرأةٍ، جَبانٌ عن القويِّ، جريء على الضّعيف.

  1. (١) النهمة: الشهوة في الشيء.
  2. (٢) د: «الدناءة».
  3. (٣) د: «عنه». يقال: هو ولدُ غيَّة أي ولدُ زنية، كما يقال في نقيضه: ولدُ رِشْدَة.
  4. (٤) ش، د: «أجبن». والمثبت من ل يناسب السياق.
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي