مدارج السالكين

الرِّضا، ويعجل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويُحجِم في موضع الإقدام، أو يُقدِم في موضع الإحجام، ويَلِين في موضع الشِّدّة، ويشتدُّ في موضع اللِّين، ويتواضع في موضع العزّة، ويتكبّر في موضع التّواضع.

والشّهوة: تحمله على الحرص، والشُّحِّ والبخل، وعدمِ العفّة، والنَّهْمة١ والجَشَع، والذُّلِّ، والدَّناءاتِ٢ كلِّها.

والغضب: يحمله على الكِبر والحِقد والحسد والعدوان والسَّفَه.

ويتركّب من بين كلِّ خُلقينِ من هذه أخلاقٌ مذمومةٌ.

ومِلَاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النّفس في الضّعف، وإفراطها في القوّة. فيتولّد من إفراطها في الضّعف: المَهانةُ والبخل، والخِسَّة واللُّؤم، والذُّلُّ والحرص، والشُّحُّ وسَفْسَاف الأمور والأخلاق.

ويتولّد من إفراطها في القوّة: الظُّلم والغضب والحدّة والفُحش والطَّيش.

ويتولّد من تزوُّج أحدِ الخُلقين بالآخر أولادُ غِيَّةٍ٣ كثيرون، فإنّ النّفس قد تجمع قوّةً وضعفًا، فيكون صاحبها أجبرَ٤ النّاس إذا قَدر، وأذلَّهم إذا قُهِر، ظالم عَسُوفٌ جَبَّار، فإذا قُهِر صار أذلَّ من امرأةٍ، جَبانٌ عن القويِّ، جريء على الضّعيف.

  1. (١) النهمة: الشهوة في الشيء.
  2. (٢) د: «الدناءة».
  3. (٣) د: «عنه». يقال: هو ولدُ غيَّة أي ولدُ زنية، كما يقال في نقيضه: ولدُ رِشْدَة.
  4. (٤) ش، د: «أجبن». والمثبت من ل يناسب السياق.
33

فالأخلاق الذّميمة تُولِّد بعضها بعضًا، كما أنّ الأخلاق الحميدة تُولِّد بعضها بعضًا.

وكلُّ خُلقٍ محمودٍ مكتنَفٌ بخُلُقين ذميمين، وهو وسطٌ بينهما، وطرفاه خُلقان ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه خُلُقا البخل والتّبذير، والتّواضع: الذي يكتنفه خُلُقا الذُّلِّ والمَهانة والكِبر والعلوِّ. فإنّ النّفس متى انحرفت عن الوسط انحرفت إلى أحد الخُلقين الذّميمين ولا بدَّ، فإذا انحرفت عن خُلق «التّواضع» انحرفت: إمّا إلى كبرٍ وعلوٍّ، وإمّا إلى ذلٍّ ومَهانةٍ وحقارةٍ. وإذا انحرفت عن خُلق «الحياء» انحرفت: إمّا إلى قِحَةٍ وجرأةٍ، وإمّا إلى عَجْزٍ وخَوَرٍ ومهانةٍ، بحيث يُطمِع في نفسه عدوّه، ويفوته كثيرٌ من مصالحه، ويزعم أنّ الحامل له على ذلك الحياء. وإنّما هو المهانة والعجز وموتُ النّفس.

وكذلك إذا انحرفتْ عن خُلق «الصّبر» المحمود انحرفتْ: إمّا إلى جَزَعٍ وهَلَعٍ وجَشَعٍ وتسخُّطٍ، وإمّا إلى غِلظةِ كبدٍ وقسوةِ قلبٍ وحَجريَّةِ طبعٍ، كما قال بعضهم١:

يُبكَى علينا ولا نَبكِي على أحدٍأنحنُ أغلظُ أكبادًا أم الإبلُ٢
  1. (١) هو مهلهل، كما في «ديوان المعاني» (١/ ١٧٣)، و«شرح الحماسة» للمرزوقي (٢/ ٥٩١)، و«خزانة الأدب» (٢/ ٥١٢) وغيرها. والبيت منسوب في «عيون الأخبار» (٢/ ١٩٢) إلى المخبل، وفي «اللامع العزيزي» (١/ ٣٤٣) لقتادة بن مسلمة الحنفي، وفي «ثمار القلوب» (ص ٣٤٨) و«المستقصى» (١/ ٦٩) لبلعاء بن قيس الكناني.
  2. (٢) البيت بهذه الرواية في «بهجة المجالس» (١/ ٢٥٠). ورواية الشطر الثاني في عامة المصادر: لنحنُ أغلظُ أكبادًا من الإبلِ.
34

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي