مدارج السالكين

فالأخلاق الذّميمة تُولِّد بعضها بعضًا، كما أنّ الأخلاق الحميدة تُولِّد بعضها بعضًا.

وكلُّ خُلقٍ محمودٍ مكتنَفٌ بخُلُقين ذميمين، وهو وسطٌ بينهما، وطرفاه خُلقان ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه خُلُقا البخل والتّبذير، والتّواضع: الذي يكتنفه خُلُقا الذُّلِّ والمَهانة والكِبر والعلوِّ. فإنّ النّفس متى انحرفت عن الوسط انحرفت إلى أحد الخُلقين الذّميمين ولا بدَّ، فإذا انحرفت عن خُلق «التّواضع» انحرفت: إمّا إلى كبرٍ وعلوٍّ، وإمّا إلى ذلٍّ ومَهانةٍ وحقارةٍ. وإذا انحرفت عن خُلق «الحياء» انحرفت: إمّا إلى قِحَةٍ وجرأةٍ، وإمّا إلى عَجْزٍ وخَوَرٍ ومهانةٍ، بحيث يُطمِع في نفسه عدوّه، ويفوته كثيرٌ من مصالحه، ويزعم أنّ الحامل له على ذلك الحياء. وإنّما هو المهانة والعجز وموتُ النّفس.

وكذلك إذا انحرفتْ عن خُلق «الصّبر» المحمود انحرفتْ: إمّا إلى جَزَعٍ وهَلَعٍ وجَشَعٍ وتسخُّطٍ، وإمّا إلى غِلظةِ كبدٍ وقسوةِ قلبٍ وحَجريَّةِ طبعٍ، كما قال بعضهم١:

يُبكَى علينا ولا نَبكِي على أحدٍأنحنُ أغلظُ أكبادًا أم الإبلُ٢
  1. (١) هو مهلهل، كما في «ديوان المعاني» (١/ ١٧٣)، و«شرح الحماسة» للمرزوقي (٢/ ٥٩١)، و«خزانة الأدب» (٢/ ٥١٢) وغيرها. والبيت منسوب في «عيون الأخبار» (٢/ ١٩٢) إلى المخبل، وفي «اللامع العزيزي» (١/ ٣٤٣) لقتادة بن مسلمة الحنفي، وفي «ثمار القلوب» (ص ٣٤٨) و«المستقصى» (١/ ٦٩) لبلعاء بن قيس الكناني.
  2. (٢) البيت بهذه الرواية في «بهجة المجالس» (١/ ٢٥٠). ورواية الشطر الثاني في عامة المصادر: لنحنُ أغلظُ أكبادًا من الإبلِ.
34

وإذا انحرفت عن خلق «الحِلْم» انحرفت: إمّا إلى الطَّيش والنَّزَق١ والحدّة والخفّة، وإمّا إلى الذُّلِّ والمَهانة والحَقارة. ففرقٌ بين من حِلْمه حِلْمُ ذلٍّ ومهانةٍ وحقارةٍ وعجزٍ، وبين مَن حِلمه حلمُ اقتدارٍ وعزّةٍ وشرفٍ، كما قيل٢:

كلُّ حِلْمٍ أتى بغيرِ اقتدارٍحجّةٌ لاجئٌ إليها اللِّئامُ

وإذا انحرفت عن خلق «الأَناة والرِّفق» انحرفت: إمّا إلى عَجَلةٍ وطَيْشٍ وعُنْفٍ٣، وإمّا إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، والرِّفق والأناة بينهما.

وإذا انحرفت عن خلق «العِزّة» التي وهبَها الله للمؤمنين، انحرفت: إمّا إلى كِبْرٍ، وإمّا إلى ذُلٍّ، والعزّة المحمودة بينهما.

وإذا انحرفت عن خلق «الشّجاعة» انحرفت: إمّا إلى تهوُّرٍ وإقدامٍ غيرِ محمودٍ، وإمّا إلى جُبْنٍ وتأخُّرٍ مذمومٍ.

وإذا انحرفت عن خلق «المنافسة في المراتب العالية والغِبطة» انحرفت: إمّا إلى حسدٍ، وإمّا إلى مَهانةٍ وعَجزٍ وذُلٍّ ورضًا بالدُّون.

وإذا انحرفت عن «القناعة»٤ انحرفت: إمّا إلى حِرصٍ وكَلَبٍ٥، وإمّا إلى خِسّةٍ ومَهانةٍ وإضاعةٍ.

  1. (١) النَّزَق: الطيش والخفّة.
  2. (٢) البيت للمتنبي في «ديوانه» (٤/ ٢١٧) بشرح البرقوقي.
  3. (٣) «وعنف» ليست في ش، د.
  4. (٤) د: «خلق القناعة».
  5. (٥) الكَلَب: شدة الحرص.
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي