مدارج السالكين

وإذا انحرفت عن خلق «الرّحمة» انحرفت: إمّا إلى قسوةٍ، وإمّا إلى ضعف قلبٍ وجُبْن نفسٍ، كمن لا يُقدِم على ذبح شاةٍ ولا إقامةِ حدٍّ ولا تأديبِ ولدٍ، ويزعم أنّ الرّحمة تحمله على ذلك. وقد ذبحَ أرحمُ الخلق بيده في موقفٍ واحدٍ ثلاثًا وستِّين بدنةً، وقطعَ الأيديَ من الرِّجال والنِّساء، وضربَ الأعناق، وأقام الحدودَ، ورجمَ بالحجارة حتّى مات المرجوم. وكان أرحمَ خلقِ الله على الإطلاق وأرأفَهم.

وكذلك «طلاقةُ الوجه والبِشْرُ المحمود»، فإنّه وسطٌ بين التّعبيس والتّقطيبِ وتصعيرِ الخدِّ وطَيِّ البِشْر عن البَشَر، وبين الاسترسال بذلك مع كلِّ أحدٍ، بحيث يُذهِب الهيبة ويُزِيل الوقار ويُطمِع في الجانب، كما أنّ الانحراف الأوّل يُوقِع الوحشةَ والبِغْضةَ والنُّفرةَ في قلوب الخلق. وصاحب الخلق الوسط: مَهِيبٌ محبوبٌ، عزيزٌ جانبه، حبيبٌ لقاؤه. وفي صفة النبي ﷺ: «من رآه بديهةً هَابَه، ومن خالطَه عِشْرةً أحبَّه»١.

فصلٌ نافعٌ جدًّا

عظيمُ النّفع للسّالك، يُوصِله عن قُربٍ، ويُسيِّره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها، فإنّ أصعبَ ما على الطّبيعة الإنسانيّة تغيُّر الأخلاق التي طُبِعتْ عليها. وأصحابُ الرِّياضات الصّعبة والمجاهدات الشّاقّة إنّما عملوا عليها، ولم يَظْفَر أكثرهم بتبديلها، لكنّ النّفس اشتغلتْ بتلك الرِّياضات عن ظهور

  1. (١) أخرجه الترمذي في «السنن» (٣٦٣٨) وفي «الشمائل» (٧) من حديث علي بن أبي طالب، وقال: حسن غريب، ليس إسناده بمتصل. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٣٢٤٦٥) والبيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ٢٦٩). وفي إسناده عمر بن عبد الله مولى غفرة ضعيف، ثم إنه منقطع بين إبراهيم بن محمد وعلي.
36

سلطانها، فإذا جاء سلطانُ تلك الأخلاق وبرزَ كسرَ جيوشَ الرِّياضة وشتَّتَها، واستولى على مملكة الطَّبع.

وهذا فصلٌ يَصِل به السّالك مع تلك الأخلاق، ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها، ويكون سَيره أقوى وأجلَّ١ وأسرعَ من سَيْرِ العامل على إزالتها.

ونُقدِّم قبلَ هذا مثلًا نضربه، مطابقًا لما نريده، وهو: نهرٌ جارٍ في صَبَبِه ومنحدَرِه، مُنتهٍ إلى تغريقِ أرضٍ وعُمرانٍ ودُورٍ، وأصحابها يعلمون أنّه لا ينتهي حتّى يُخرِّب دورَهم، ويُتلِف أراضيَهم وأموالَهم. فانقسموا ثلاثَ فِرقٍ:

ففرقةٌ صرفتْ قواها وقوى أعمالها إلى سَكْره٢ وحَبْسِه وإيقافِه، فلم تصنع هذه الفرقة كبيرَ أمرٍ، فإنّه يوشك أن يجتمع ويَحمِل٣ على السَّكْر، فيكون إفسادُه وتخريبُه أعظمَ.

وفرقةٌ رأتْ هذه الحالَ، وعلمتْ أنّه لا يُغني عنها شيئًا، فقالت: لا خلاصَ من محذوره إلّا بقطعه من أصلِ المنبوع٤، فرامتْ قطْعه من أصله، فتعذَّر عليها ذلك غايةَ التّعذُّر، وأَبتِ الطّبيعة النَّهريّة ذلك أشدَّ الإباء، فهم دائمًا في قطع المنبوع، وكلّما سدُّوه من موضعٍ نَبعَ من موضعٍ، فاشتغل هؤلاء

  1. (١) ل: «وأعجل».
  2. (٢) أي سَدّه.
  3. (٣) ل: «ثم يحمل».
  4. (٤) كذا في الأصول، واستعمله المؤلف في «النونية» (٣/ ٩٢٠). والمقصود به: المنبع، وهو مخرج الماء.
37

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي