مدارج السالكين

وشهوته على الشّيء ولم١ يُمكِنه تحصيلُه إلّا بالقوّة الغضبيّة، فاستعملَها فيه= أورثه ذلك العدوانَ والبغيَ والظُّلم، ومنه يتولَّدُ الكِبر والفخر والخُيَلاء، فإنّها أخلاقٌ متولّدةٌ من بين قوّتي الشّهوة والغضب، وتزوُّجِ أحدهما بصاحبه.

فإذا تبيّن هذا فالنّهر مثال هاتين القوّتين، وهو مُنْصَبٌّ في حَدُورِ٢ الطّبيعة ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله، يُذْهِبُها ويُتلِفها ولا بدّ. فالنُّفوس الجاهلة الظّالمة تركتْه ومَجراه، فخرَّبَ ديار الإيمان، وقلعَ آثارَه، وَهدَم عُمرانَه، وأنبتَ موضعَها كلَّ شجرةٍ خبيثةٍ، من حَنْظلٍ وضَريعٍ وشَوْكٍ وزَقُّومٍ، وهو الذي يأكله أهل النّار يومَ المعاد.

وأمّا النُّفوس الزّكيّة الفاضلة: فإنّها رأتْ ما يؤولُ إليه أمرُ هذا النّهر، فافترقوا ثلاثَ فِرقٍ:

فأصحاب الرِّياضات والمجاهدات والخَلَوات والتمزُّقات٣ راموا قطْعه من ينبوعه٤، فأبتْ ذلك حكمة الله تعالى وما طبع عليه الجبلّة البشريّة، ولم تَنْقَد له الطّبيعة، فاشتدّ القتال، ودام الحرب، وحَمِي الوطيس، وصارت الحرب دُوَلًا وسِجالًا. وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة النّفس على إزالة تلك الصِّفات.

  1. (١) الواو ليست في ش، ل.
  2. (٢) الحدور: الموضع المنحدر.
  3. (٣) أي تمزُّقات القلب، ويمكن أن يكون المراد منها تمزيق الثياب عند السماع كما هو معروف عند الصوفية.
  4. (٤) ل: «منبوعه».
39

وفرقةٌ أعرضوا عنها، وشَغَلوا نفوسَهم بالأعمال، ولم يجيبوا داعيَ تلك الصِّفات، مع تخليتهم إيّاها على مجراها، لكن لم يُمكِّنوا نهرَها من إفساد عُمرانهم، بل اشتغلوا بتحصين العُمران، وإحكامِ بنائه وأساسه، ورأوا أنّ ذلك النّهر لا بدَّ أن يصل إليه، فإذا وصل إلى بناءٍ محكمٍ لم يَهدِمْه، بل يأخذ عنه يمينًا وشمالًا. فهؤلاء صرفوا قوّة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكامِ البناء، وأولئك صرفوها في قطع المادّة الفاسدة من أصلها، خوفًا على هدم البناء.

وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة، وقطعِ الآفات والاشتغالِ بتنقية الطّريق وتنظيفها؟

فقال لي في١ جملة كلامه: النّفس مثل الباطوس ــ وهو جُبُّ القَذَر ــ كلّما نَبشْتَه ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تَسْقُفَ عليه وتَعْبُره وتَجُوزَه فافعل، ولا تشتغلْ بنبشِه، فإنّك لن تصل إلى قراره، وكلّما نبشتَ شيئًا ظهر غيره.

فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشُّيوخ، فقال لي: مثال آفات النّفس مثال الحيّات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبلَ على تفتيش الطّريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع، ولم يُمكِنه السّفرُ قطُّ. ولكن لِتكنْ٢ همّتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرضَ لك٣ فيها ما يَعُوقُك عن السير فاقتلْه، ثمّ امضِ على سيرك.

  1. (١) د: «يومًا في».
  2. (٢) ل: «تكن».
  3. (٣) د: «ذلك».
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي