وفي الحديث الآخر ــ وأظنُّه في «المسند»١ ــ: «إنّ من الخُيلاءِ ما يُحِبُّها الله، ومنها ما يُبغِضها، فالخيلاء التي يحبُّها الله: اختيال الرّجل في الحرب، وعند الصّدقة». فانظر كيف صارت الصِّفة المذمومة عبوديّةً؟ وكيف استحال القاطعُ مُوصِلًا؟
فصاحبُ الرِّياضات والعاملُ٢ على قطعِ أصول هذه الصفات مجتهدٌ على قطع مادة الخُيلاء والكِبر، وهذا قد أقرَّها في موضعها وأعدَّها لأقرانها، وهو مصرِّفٌ لها في مصرفٍ يُعينه٣ على مطلبه يُوصِله إليه.
وكذلك خُلق الحسد فإنه لا يُذَمّ، وهو كالصَّدفَة لدُرَّة الغِبطة والمنافسة، كما قال النبي ﷺ في الحديث٤ الصحيح٥: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلَّطه على هَلكَته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف٦ النهار». فالحسد يُوصِل إلى المنافسة التي يحبُّها الله ويأمر بها في قوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾[المطففين: ٢٦]، فلا
(١) رقم (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٥٠، ٢٣٧٥٣) من حديث جابر بن عتيك. وأخرجه أيضًا أبو داود (٢٦٥٩) والنسائي (٢٥٥٨) وغيرهما. وفي إسناده ابن جابر، وهو مجهول. وله شاهد من حديث عقبة بن عامر الجهني في «المسند» (١٧٣٩٨)، وفي إسناده ضعف، لكن بمجموع الحديثين ينجبر الضعف ويتحسن الحديث.
(٢) بعدها سقط كبير في طبعة الفقي قرابة أربع صفحات.
(٣) ل: «بعينه».
(٤) «الحديث» ليست في د.
(٥) أخرجه البخاري (٥٠٢٥، ٥٠٢٦، ٧٥٢٩) ومسلم (٨١٥) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) «أطراف» ليست في ش، د.
تَعملْ على إعدام هذا الخُلقِ من نفسك، بل اصرِفْه إلى الحسد المحمود، الحامل على المنافسة في الرتب العالية وتزاحُم أهلها بالركَب. نعم، لا تَتمنَّ زوالَ نعمة الله عن عبد فتزولَ عنك ويُبقِيها عليه.
وكذلك خُلق الحِرص، فإنه من أنفع الأخلاق وأَوصلِها إلى كل خير، وشدةُ الطلب بحسب قوة الحرص، فلا تعملْ على قطعها، ولكن علِّقْها بما ينفع النفسَ في معادها ويُكمِلها ويزكّيها، كما قال النبي ﷺ: «احرِصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تَعجِزْ»١. فقوة الحرص لا تُذَمُّ، وإنما يُذَمُّ صرفُها إلى ما يضرُّ الحرص عليه، أو لا ينفع وغيرُه٢ أنفعُ للعبد منه.
وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد، وأَوصلِها إلى كماله وسعادته، فإنها تُثمِر المحبة. وبحسب شهوة العبد للكمال يكون طلبه له، وبحسب قوة شهوته للذة العيش ووصال الأحبَّة وقرة العين يكون طلبه لذلك في الجنة إن كان مؤمنًا بها موقنًا مصدقًا. فصِدْقُ الشهوة وقوتُها تَحمله على بيع مُشتهًى دنيٍّ خسيسٍ بمشتهًى أعلى منه وأجلَّ وأرفعَ.
وكذلك قوة الشُّحِّ والبخل محمودة جدًّا نافعةٌ للعبد، فإنها تحمله على بخله وشُحِّه بزمانه ووقته وأنفاسه أن يُضيِّعها ويَسمَح بها لمن لا يُساوي، ويَشِحُّ أيضًا غايةَ الشحِّ على حظّه ونصيبه من الله أن يبيعَه أو يهبَه لأحدٍ من الخلق، ويشحُّ أيضًا بماله ويبخل به كلَّ البخل أن لا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعَّم به، ويفوتَه هو أجره وثوابه. فالشحيح بماله المحبُّ له هو