مدارج السالكين

تَعملْ على إعدام هذا الخُلقِ من نفسك، بل اصرِفْه إلى الحسد المحمود، الحامل على المنافسة في الرتب العالية وتزاحُم أهلها بالركَب. نعم، لا تَتمنَّ زوالَ نعمة الله عن عبد فتزولَ عنك ويُبقِيها عليه.

وكذلك خُلق الحِرص، فإنه من أنفع الأخلاق وأَوصلِها إلى كل خير، وشدةُ الطلب بحسب قوة الحرص، فلا تعملْ على قطعها، ولكن علِّقْها بما ينفع النفسَ في معادها ويُكمِلها ويزكّيها، كما قال النبي ﷺ: «احرِصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تَعجِزْ»١. فقوة الحرص لا تُذَمُّ، وإنما يُذَمُّ صرفُها إلى ما يضرُّ الحرص عليه، أو لا ينفع وغيرُه٢ أنفعُ للعبد منه.

وكذلك قوة الشهوة من أنفع القوى للعبد، وأَوصلِها إلى كماله وسعادته، فإنها تُثمِر المحبة. وبحسب شهوة العبد للكمال يكون طلبه له، وبحسب قوة شهوته للذة العيش ووصال الأحبَّة وقرة العين يكون طلبه لذلك في الجنة إن كان مؤمنًا بها موقنًا مصدقًا. فصِدْقُ الشهوة وقوتُها تَحمله على بيع مُشتهًى دنيٍّ خسيسٍ بمشتهًى أعلى منه وأجلَّ وأرفعَ.

وكذلك قوة الشُّحِّ والبخل محمودة جدًّا نافعةٌ للعبد، فإنها تحمله على بخله وشُحِّه بزمانه ووقته وأنفاسه أن يُضيِّعها ويَسمَح بها لمن لا يُساوي، ويَشِحُّ أيضًا غايةَ الشحِّ على حظّه ونصيبه من الله أن يبيعَه أو يهبَه لأحدٍ من الخلق، ويشحُّ أيضًا بماله ويبخل به كلَّ البخل أن لا يكون في ميزانه، وأن يتركه لغيره يتنعَّم به، ويفوتَه هو أجره وثوابه. فالشحيح بماله المحبُّ له هو

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) ش، د: «أو ما غيره».
43

الذي لا يَسمح به لغيره، بل يأخذه بين يديه زادًا لمعاده. ومَن لا يحبُّه ولا له قدرٌ عنده يرى أن يُضيعَه ويَدَعَه للوارث أو الجائحةِ والتَّلفِ، ولا يستصحبه أمامَه. فهذا هو الزاهد في المال، والأول هو الراغب فيه المحبُّ له. وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا أعجبه شيءٌ من ماله قدَّمَه بين يديه١.

وهذه قاعدة مطّردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بصرفها عن مجاريها المذمومة إلى مجارٍ٢ محمودة، وجاؤوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسرِّيْ، حتى كان لسليمان ﵇ مائة امرأة، ولداود ﵇ تسع وتسعون، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع، وأباح للأمة أربعًا مما طاب لهم من النساء ومن السراري بلا حصرٍ، صرفًا لقوة٣ هذه الشهوة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يحبُّه الله، وهو أحبُّ إليه من نفْلِ العبادة عند أكثر الفقهاء.

وكذلك جاؤوا بصرف القوة الغضبية إلى جهاد أعداء الله والغِلظة عليهم والانتقام منهم.

وكذلك جاؤوا بصرف قوة اللهو والركوب ونحوه إلى اللهو بالرمي٤ والمسابقةِ على الخيل وركوبِها في سبيل الله، واللهو في العُرس.

وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا تُذمُّ بل تُحمد. وقد

  1. (١) انظر: «طبقات ابن سعد» (٤/ ١٦٦)، و«حلية الأولياء» (١/ ٢٩٥).
  2. (٢) ل: «مجاري».
  3. (٣) ل: «بلا خصوص فالقوة»، تحريف.
  4. (٤) ل: «والرمي».
44

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي