مدارج السالكين

الذي لا يَسمح به لغيره، بل يأخذه بين يديه زادًا لمعاده. ومَن لا يحبُّه ولا له قدرٌ عنده يرى أن يُضيعَه ويَدَعَه للوارث أو الجائحةِ والتَّلفِ، ولا يستصحبه أمامَه. فهذا هو الزاهد في المال، والأول هو الراغب فيه المحبُّ له. وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا أعجبه شيءٌ من ماله قدَّمَه بين يديه١.

وهذه قاعدة مطّردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بصرفها عن مجاريها المذمومة إلى مجارٍ٢ محمودة، وجاؤوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسرِّيْ، حتى كان لسليمان ﵇ مائة امرأة، ولداود ﵇ تسع وتسعون، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع، وأباح للأمة أربعًا مما طاب لهم من النساء ومن السراري بلا حصرٍ، صرفًا لقوة٣ هذه الشهوة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يحبُّه الله، وهو أحبُّ إليه من نفْلِ العبادة عند أكثر الفقهاء.

وكذلك جاؤوا بصرف القوة الغضبية إلى جهاد أعداء الله والغِلظة عليهم والانتقام منهم.

وكذلك جاؤوا بصرف قوة اللهو والركوب ونحوه إلى اللهو بالرمي٤ والمسابقةِ على الخيل وركوبِها في سبيل الله، واللهو في العُرس.

وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا تُذمُّ بل تُحمد. وقد

  1. (١) انظر: «طبقات ابن سعد» (٤/ ١٦٦)، و«حلية الأولياء» (١/ ٢٩٥).
  2. (٢) ل: «مجاري».
  3. (٣) ل: «بلا خصوص فالقوة»، تحريف.
  4. (٤) ل: «والرمي».
44

وقف النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري ﵁ واستمع قراءته، وقال: «لقد اُوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود»١. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمره إذا حضر عنده مع الصحابة أن يُسمِعهم قراءتَه، فيقرأ وهم يسمعون٢، هذا كان سماع القوم، فمَن حرَّم هذا السماع أو مَن كرهه؟ وهل هذا إلّا سماع خواصّ الأولياء؟ فأين هذا من سماع المكاء والتصدية، وقرآنِ الشيطان، وآلاتِ المعازف بنغمات الشاهد؟ فلابد للروح من سَماع طيِّب تتغذَّى به، ولكن لا يستوي مَن غذاؤه العسلُ والحلوى والطيبات، ومَن غذاؤه الرجيعُ والميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله. ويا عجبًا إن كان أهل هذا الغذاء لا يرون آثاره على شِفاههم ووجوههم! أفلا يستحيون من معاينة أرباب البصائر ذلك عليهم؟

والمقصود أن رسوم الطبيعة وقواها لا يمكن تعطيلُها في دار الابتلاء والامتحان، فالبصير العارف يستعملها في مواضعها النافعة له، التي لا تُحرِّم عليه دينًا، ولا تَقطع عليه طريقًا، ولا تُفسِد عليه حالَه مع الله، ولا تُسْقِطه من عينه.

وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب لمن هو معتن٣ بهذا الشأن، وعاملٌ على صلاح قلبه وتزكية نفسه. وإنما دخل الداخل حيث ظنَّ أن تزكية

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٠٤٨) ومسلم (٧٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
  2. (٢) أخرجه الدارمي (٢/ ٤٧٢) وابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٠٩) وابن حبان (٧١٩٦) من طرق عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن به. وهو مرسل، أبو سلمة لم يسمع من عمر.
  3. (٣) ل: «معتني».
45

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي