وقف النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري ﵁ واستمع قراءته، وقال: «لقد اُوتي هذا مِزمارًا من مزامير آل داود»١. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمره إذا حضر عنده مع الصحابة أن يُسمِعهم قراءتَه، فيقرأ وهم يسمعون٢، هذا كان سماع القوم، فمَن حرَّم هذا السماع أو مَن كرهه؟ وهل هذا إلّا سماع خواصّ الأولياء؟ فأين هذا من سماع المكاء والتصدية، وقرآنِ الشيطان، وآلاتِ المعازف بنغمات الشاهد؟ فلابد للروح من سَماع طيِّب تتغذَّى به، ولكن لا يستوي مَن غذاؤه العسلُ والحلوى والطيبات، ومَن غذاؤه الرجيعُ والميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله. ويا عجبًا إن كان أهل هذا الغذاء لا يرون آثاره على شِفاههم ووجوههم! أفلا يستحيون من معاينة أرباب البصائر ذلك عليهم؟
والمقصود أن رسوم الطبيعة وقواها لا يمكن تعطيلُها في دار الابتلاء والامتحان، فالبصير العارف يستعملها في مواضعها النافعة له، التي لا تُحرِّم عليه دينًا، ولا تَقطع عليه طريقًا، ولا تُفسِد عليه حالَه مع الله، ولا تُسْقِطه من عينه.
وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب لمن هو معتن٣ بهذا الشأن، وعاملٌ على صلاح قلبه وتزكية نفسه. وإنما دخل الداخل حيث ظنَّ أن تزكية
(١) أخرجه البخاري (٥٠٤٨) ومسلم (٧٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) أخرجه الدارمي (٢/ ٤٧٢) وابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٠٩) وابن حبان (٧١٩٦) من طرق عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن به. وهو مرسل، أبو سلمة لم يسمع من عمر.
(٣) ل: «معتني».
النفس وتهذيب الأخلاق يتيسَّر١ بطريق٢ الرِّياضات والمجاهدات والخلوات، هيهات هيهات! إنّما يُوقِع ذلك في الآفات والشُّبهات والضّلالات، فإنّ تزكية النُّفوس مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامُه عليهم، وإنّما بعثَهم الله لهذه التّزكية وولَّاهم إيّاها، وجعلَها على أيديهم دعوةً وتعليمًا وبيانًا وإرشادًا، لا خَلقًا ولا إلهامًا، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة: ٢]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ١٥١ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾[البقرة: ١٥١ - ١٥٢].
وتزكية النُّفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدُّ، فمن زكّى نفسَه بالرِّياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرُّسل٣ = فهو كالمريض الذي يعالج نفسَه برأيه دونَ معرفة الطّبيب. فالرُّسل أطبّاءُ القلوب، فلا سبيل إلى صلاحها وتزكيتها إلّا على أيديهم، وبمحض الانقيادِ والتّسليم لهم. والله المستعان.
فإن قلت: هل يمكن أن يكون٤ الخُلق كسبيًّا، أو هو أمرٌ خارجٌ عن الكسب؟