مدارج السالكين

النفس وتهذيب الأخلاق يتيسَّر١ بطريق٢ الرِّياضات والمجاهدات والخلوات، هيهات هيهات! إنّما يُوقِع ذلك في الآفات والشُّبهات والضّلالات، فإنّ تزكية النُّفوس مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامُه عليهم، وإنّما بعثَهم الله لهذه التّزكية وولَّاهم إيّاها، وجعلَها على أيديهم دعوةً وتعليمًا وبيانًا وإرشادًا، لا خَلقًا ولا إلهامًا، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ١٥١ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢].

وتزكية النُّفوس أصعبُ من علاج الأبدان وأشدُّ، فمن زكّى نفسَه بالرِّياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجئ بها الرُّسل٣ = فهو كالمريض الذي يعالج نفسَه برأيه دونَ معرفة الطّبيب. فالرُّسل أطبّاءُ القلوب، فلا سبيل إلى صلاحها وتزكيتها إلّا على أيديهم، وبمحض الانقيادِ والتّسليم لهم. والله المستعان.

فإن قلت: هل يمكن أن يكون٤ الخُلق كسبيًّا، أو هو أمرٌ خارجٌ عن الكسب؟

  1. (١) هنا انتهى السقط المشار إليه.
  2. (٢) ل: «طريق».
  3. (٣) ش، د: «الرسول ﷺ».
  4. (٤) د: «يقع».
46

قلت: يُمكِن أن يقع كسبيًّا بالتّخلُّق والتّكلُّف، حتّى يصيرَ له سَجِيّةً ومَلَكةً، وقد قال النّبيُّ ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك لخُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحلم والأناة». فقال: أخُلقينِ تخلّقتُ بهما أم جَبلنَي الله عليهما؟ فقال: «بل جَبَلَك الله١ عليهما». فقال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلقينِ يُحِبُّهما الله ورسوله٢. فدلّ على أنّ من الخلق ما هو طبيعةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هو مكتسَبٌ.

وكان النّبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «اللهمّ اهْدِني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلّا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّئ الأخلاق، لا يَصرِف عنِّي سيِّئها إلّا أنت»٣. فذكر الكسب والقَدَر.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٤: (الخُلُق: ما يرجع إليه المتكلِّفُ من نَعْتِه).

أي: خُلُق كلِّ متكلِّفٍ فهو ما اشتملتْ عليه نعوتُه، فتكلُّفه يردُّه إلى

  1. (١) كلمة الجلالة ليست في د.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٥٢٢٥)، وأحمد (٣٩/ ٤٩٠)، والبزار (٢٧٤٦ - كشف الأستار)، والطبراني في «الكبير» (٥٣١٣)، والبيهقي في «السنن» (٧/ ١٠٢) وفي «دلائل النبوة» (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨) من طريقين عن مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع عن جدّها زارع به. وإسناده حسن في الشواهد. وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٤)، وأحمد (١٧٨٢٨)، وابن حبان (٧٢٠٣) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأشج العصري. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٨٧، ٣٨٨): رجاله رجال الصحيح إلا أن أبي بكرة لم يدرك الأشج. وأصل الحديث عند مسلم (١٨) دون السؤال والجواب.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
  4. (٤) (ص ٤٥).
47

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي