مدارج السالكين

قلت: يُمكِن أن يقع كسبيًّا بالتّخلُّق والتّكلُّف، حتّى يصيرَ له سَجِيّةً ومَلَكةً، وقد قال النّبيُّ ﷺ لأشجِّ عبد القيس: «إن فيك لخُلُقَينِ يحبُّهما الله: الحلم والأناة». فقال: أخُلقينِ تخلّقتُ بهما أم جَبلنَي الله عليهما؟ فقال: «بل جَبَلَك الله١ عليهما». فقال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلقينِ يُحِبُّهما الله ورسوله٢. فدلّ على أنّ من الخلق ما هو طبيعةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هو مكتسَبٌ.

وكان النّبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «اللهمّ اهْدِني لأحسنِ الأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلّا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّئ الأخلاق، لا يَصرِف عنِّي سيِّئها إلّا أنت»٣. فذكر الكسب والقَدَر.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٤: (الخُلُق: ما يرجع إليه المتكلِّفُ من نَعْتِه).

أي: خُلُق كلِّ متكلِّفٍ فهو ما اشتملتْ عليه نعوتُه، فتكلُّفه يردُّه إلى

  1. (١) كلمة الجلالة ليست في د.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٥٢٢٥)، وأحمد (٣٩/ ٤٩٠)، والبزار (٢٧٤٦ - كشف الأستار)، والطبراني في «الكبير» (٥٣١٣)، والبيهقي في «السنن» (٧/ ١٠٢) وفي «دلائل النبوة» (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨) من طريقين عن مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع عن جدّها زارع به. وإسناده حسن في الشواهد. وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٤)، وأحمد (١٧٨٢٨)، وابن حبان (٧٢٠٣) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن الأشج العصري. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٨٧، ٣٨٨): رجاله رجال الصحيح إلا أن أبي بكرة لم يدرك الأشج. وأصل الحديث عند مسلم (١٨) دون السؤال والجواب.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
  4. (٤) (ص ٤٥).
47

خُلُقِه، كما قيل١:

إنّ التّخلُّق يأتي٢ دونَه الخُلُقُ

وقال الآخر٣:

يُراد من القلب نِسيانُكموتأبى الطِّباعُ على النّاقل

فمتكلِّفُ ما ليس من نعتِه ولا شِيمتِه يرجع إلى شيمته ونعته وسجيّته، فذاك الذي يرجع إليه هو الخلق.

قال٤: (واجتمعتْ كلمةُ النّاطقين في هذا العلم: أنّ التّصوُّف هو الخلق، وجِماعُ الكلامِ فيه يدور على قطبٍ واحدٍ، وهو بذلُ المعروف وكفُّ الأذى).

قلت: من النّاس من يجعلها ثلاثةً: كفُّ الأذى، واحتمال الأذى، وإيجاد الرّاحة.

ومنهم من يجعلها اثنين كما قال الشّيخ ﵀: بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى.

ومنهم من يردُّها إلى واحدٍ، وهو بذل المعروف. والكلُّ صحيحٌ.

  1. (١) شطر بيت لسالم بن وابصة في «الحماسة» (١/ ٣٥٩) و«البيان والتبيين» (١/ ٢٣٣) و«نوادر أبي زيد» (ص ١٨١)، وللعرجي في «الحيوان» (٣/ ١٢٨) و«الشعر والشعراء» (٢/ ٥٧٥) و«العقد الفريد» (٣/ ٣).
  2. (٢) في النسخ: «يأبى»، تصحيف.
  3. (٣) هو المتنبي، والبيت في «ديوانه» (٣/ ١٥٣) بشرح البرقوقي.
  4. (٤) «المنازل» (ص ٤٥).
48

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي