يُراد من القلب نِسيانُكموتأبى الطِّباعُ على النّاقل
فمتكلِّفُ ما ليس من نعتِه ولا شِيمتِه يرجع إلى شيمته ونعته وسجيّته، فذاك الذي يرجع إليه هو الخلق.
قال٤: (واجتمعتْ كلمةُ النّاطقين في هذا العلم: أنّ التّصوُّف هو الخلق، وجِماعُ الكلامِ فيه يدور على قطبٍ واحدٍ، وهو بذلُ المعروف وكفُّ الأذى).
قلت: من النّاس من يجعلها ثلاثةً: كفُّ الأذى، واحتمال الأذى، وإيجاد الرّاحة.
ومنهم من يجعلها اثنين كما قال الشّيخ ﵀: بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى.
ومنهم من يردُّها إلى واحدٍ، وهو بذل المعروف. والكلُّ صحيحٌ.
(١) شطر بيت لسالم بن وابصة في «الحماسة» (١/ ٣٥٩) و«البيان والتبيين» (١/ ٢٣٣) و«نوادر أبي زيد» (ص ١٨١)، وللعرجي في «الحيوان» (٣/ ١٢٨) و«الشعر والشعراء» (٢/ ٥٧٥) و«العقد الفريد» (٣/ ٣).
(٢) في النسخ: «يأبى»، تصحيف.
(٣) هو المتنبي، والبيت في «ديوانه» (٣/ ١٥٣) بشرح البرقوقي.
(٤) «المنازل» (ص ٤٥).
قال١: (وإنّما يُدرَك إمكانُ ذلك في ثلاثة أشياء: في العلم والجود والصّبر).
فـ «العلم» يُرشِده إلى مواقع بذلِ المعروف، والفرقِ بينه وبين المنكر، وترتيبِه في وضعه مواضعَه. فلا يضع الغضبَ موضع الحلم ولا بالعكس، ولا الإمساكَ موضع البذل ولا بالعكس، بل يعرف مواقع الخير والشّرِّ ومراتبَها، وموضعَ كلِّ خلقٍ: أين يضعُه، وأين يَحسُن استعماله.
و«الجود» يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه، والاستقصاء منها لحقوق غيره، فالجود هو قائد جيوش الخير.
و«الصّبر» يحفظ عليه استدامةَ ذلك، ويَحمِله على الاحتمالِ، وكظْمِ٢ الغيظ، وكفِّ الأذى، وعدم المقابلة، وعلى كلِّ خيرٍ، كما تقدّم. وهو أكبر العون على نيلِ كلِّ مطلوبٍ من خير الدُّنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾[البقرة: ١٥٣].
فهذه الثّلاثة٣ أشياء بها يُدرَك التّصوُّف٤، والتّصوُّف: زاويةٌ من زوايا السُّلوك الحقيقيِّ، وهو تزكية النّفس وتهذيبها، لتستعدَّ لسيرها إلى صحبةِ الرّفيق الأعلى، ومعيّةِ من تُحِبُّه، فإنّ المرء مع من أحبّ. كما قال سَمْنون: ذهب المحبُّون بشرف الدُّنيا والآخرة، فإنّ المرء مع من أحبّ٥.
(١) «المنازل» (ص ٤٦).
(٢) ل: «كضم».
(٣) كذا في ل، د. ومسح في ش «الـ» بعد كتابتها.
(٤) ل: «التصرف»، خطأ.
(٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٦٥٤). و«المرء مع من أحب» أخرجه البخاري (٦١٦٨) ومسلم (٢٦٤٠) من حديث ابن مسعود ﵁.