مدارج السالكين
من أجلك قد جعلتُ خَدِّي أرضَاللشّامت والحسود حتّى تَرضَى

ومن لم يرضَ بما١ يُصيبه في سبيل محبوبه فلينزِلْ عن درجة المحبِّ وليتأخَّر، فليس من ذا الشّأن.

فصل

المشهد الخامس: مشهد الإحسان، وهو أرفع ممّا قبله. وهو أن يُقابِل إساءةَ المسيء إليه بالإحسان، فيُحسِن إليه كلّما أساء هو إليه، ويُهوِّن هذا عليه علمُه بأنّه قد ربِحَ عليه، وأنّه قد أهدى إليه حسناتِه، ومحاها من صحيفته، فأثبتها في صحيفة من أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره، وتُحسِن إليه بما لا نسبةَ له إلى ما أحسن به إليك.

وهاهنا ينفع استحضارُ مسألة اقتضاءِ الهبة الثّوابَ٢. وهذا المسكين قد وهبَك حسناتِه، فإن كنتَ من أهل الكرم فأَثِبْه عليها، لتثبتَ الهبة، وتأمنَ رجوعَ الواهب فيها. وفي هذا حكاياتٌ معروفةٌ عن أرباب المكارم وأهلِ العزائم.

ويُهوِّنه عليك أيضًا: علمُك بأنّ٣ الجزاء من جنس العمل. فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوتَ عنه، وأحسنتَ إليه، مع حاجتك وضعفك وفقرِك وذُلِّك. فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغنيُّ بك٤ في إساءتك، يقابلها بما قابلتَ به إساءةَ عبده إليك، فهذا لا بدّمنه. وشاهِدُه في

  1. (١) ش، د: «ما».
  2. (٢) «الثواب» ليست في ش، د.
  3. (٣) ل: «فإن».
  4. (٤) «بك» ليست في ش، د.
53

السُّنّة من وجوهٍ كثيرةٍ لمن تأمّلَها.

فصل

المشهد السّادس: مشهد السّلامة وبِرِّ القلب، وهذا مشهدٌ شريفٌ جدًّا لمن عرفه وذاقَ حلاوته. وهو أن لا يَشْغَل قلْبَه وسِرَّه بما ناله من الأذى، وطلبِ الوصول إلى دَركِ ثأره وشفاءِ نفسه، بل يُفرِّغ قلبه من ذلك، ويرى أنّ سلامته وبِرَّه وخُلوَّه منه أنفعُ له١ وألذُّ وأطيبُ، وأعونُ على مصالحه. فإنّ القلب إذا اشتغل بشيءٍ فاتَه ما هو أهمُّ عنده وخيرٌ له منه، فيكون بذلك مغبونًا، والرّشيد لا يرضى بذلك، ويراه من تصرُّفات السّفيه. فأين سلامة القلب من امتلائه بالغَبْن والوساوس، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام؟

فصل

المشهد السّابع: مشهد الأمن، فإنّه إذا ترك المقابلة والانتقام٢ أَمِنَ ما هو شرٌّ من ذلك، وإذا انتقم واقَعَه الخوفُ ولا بدَّ، فإنّ ذلك يزرع العداوة، والعاقل لا يأمن عدوَّه ولو كان حقيرًا، فكم من حقيرٍ أردى عدوَّه الكبير. فإذا غفر ولم ينتقم ولم يُقابِل أمِنَ من تولُّد العداوة أو زيادتها٣. ولا بدّ أنّ عفوه وحلمه وصفْحَه يكسِر عنه شوكةَ عدوِّه، ويَكُفُّ من غَرْ بِه٤، بعكس

  1. (١) «له» ليست في ل.
  2. (٢) «فصل ... والانتقام» سقطت من ش، د بسبب انتقال النظر، فأصبح المشهد السابع داخلًا في المشهد السادس في النسختين. والمثبت من ل.
  3. (٣) ل: «زياداتها».
  4. (٤) أي حدّته. وتحرَّفت هذه الكلمة في المطبوعات إلى «جزعه» و«عزمه». والمثبت من الأصول.
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي