مدارج السالكين

ديةَ لشهيدٍ. فأصفقَ١ الصّحابةُ على قول عمر، ووافقَه عليه الصِّدِّيق٢.

فمن قام لله حتّى أُوذِي في الله حرّم عليه الانتقام، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].

فصل

المشهد التّاسع: مشهد النِّعمة، وذلك من وجوهٍ:

أحدها: أن يشهد نعمة الله عليه في أن جعلَه مظلومًا يرتقب النّصر، ولم يجعله ظالمًا يرتقب المَقْت والأخذ، فلو خُيِّر العاقل بين الحالتين ــ ولا بدّ من إحداهما ــ لاختار أن يكون مظلومًا.

ومنها: أن يشهد نعمة الله عليه في التّكفير بذلك من خطاياه، فإنّه ما أصاب المؤمنَ من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذًى إلّا كفّر الله به من خطاياه٣، فذلك في الحقيقة دواءٌ يُستخرج به منه أدواء الخطايا والذُّنوب. ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلِّها وأسقامه، ولم يُداوِه في الدُّنيا بدواءٍ يوجب له الشِّفاء= فهو مغبونٌ سفيهٌ. فأذى الخلقِ لك كالدّواء الكريه من الطّبيب المشفق عليك، فلا

  1. (١) ش، د: «فاتفق». والمثبت من ل. وأصفق القوم على كذا: أطبقوا عليه واجتمعوا.
  2. (٢) أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (٥٢٣). وإسناده صحيح. وانظر: «زاد المعاد» (٣/ ١٣٧) والتعليق عليه.
  3. (٣) كما في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٥٦٤١) ومسلم (٢٥٧٣). وفي الباب عن غيرهما من الصحابة، انظر: «عدة الصابرين» للمؤلف (ص ١٤٤ - ١٤٥).
56

تنظرْ إلى كراهة الدّواء ومن كان على يديه، وانظر إلى شفقة الطّبيب الذي ركّبه لك، وبعثه إليك على يَدَي مَن نفعك بمضرّته١.

ومنها: أن يشهد كون تلك البليّة أهونَ وأسهلَ من غيرها، فإنّه ما محنةٌ إلّا وفوقها ما هي أقوى منها وأمرُّ. فإن لم يكن فوقها محنةٌ في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده، وأنّ كلَّ مصيبةٍ دون مصيبة الدِّين جَلَلٌ٢، وأنّها في الحقيقة نعمةٌ، والمصيبة الحقيقيّة مصيبة الدِّين.

ومنها: توفية أجرها وثوابها يومَ الفقر والفاقة. وفي بعض الآثار: أنّه يتمنّى أناسٌ يوم القيامة أنّ جلودهم٣ كانت تُقْرَض بالمقاريض، لِما يَرون من ثواب أهل البلاء٤.

هذا، وإنّ العبد ليشتدُّ فرحُه يوم القيامة بما له قِبَلَ٥ النّاس من الحقوق في المال والنّفس والعرض، فالعاقل يعدُّ هذا ذُخْرًا ليوم الفقر والفاقة، ولا يُبطِله بالانتقام الذي لا يُجدِي عليه شيئًا.

  1. (١) ل: «مضرته».
  2. (٢) ش، د: «خلل» مصحفًا. ل: «حمل»، تحريف. والجلل: الصغير الحقير.
  3. (٣) ش، د: «أبدانهم».
  4. (٤) أخرجه الترمذي (٢٤٠٢) من حديث جابر مرفوعًا، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن طلحة بن مصرّف عن مسروق قوله شيئًا من هذا. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٨٢٩) عن مسروق، و(٣٥٥٩٠) عن ابن مسعود موقوفًا.
  5. (٥) د: «من قبل».
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي