تنظرْ إلى كراهة الدّواء ومن كان على يديه، وانظر إلى شفقة الطّبيب الذي ركّبه لك، وبعثه إليك على يَدَي مَن نفعك بمضرّته١.
ومنها: أن يشهد كون تلك البليّة أهونَ وأسهلَ من غيرها، فإنّه ما محنةٌ إلّا وفوقها ما هي أقوى منها وأمرُّ. فإن لم يكن فوقها محنةٌ في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده، وأنّ كلَّ مصيبةٍ دون مصيبة الدِّين جَلَلٌ٢، وأنّها في الحقيقة نعمةٌ، والمصيبة الحقيقيّة مصيبة الدِّين.
ومنها: توفية أجرها وثوابها يومَ الفقر والفاقة. وفي بعض الآثار: أنّه يتمنّى أناسٌ يوم القيامة أنّ جلودهم٣ كانت تُقْرَض بالمقاريض، لِما يَرون من ثواب أهل البلاء٤.
هذا، وإنّ العبد ليشتدُّ فرحُه يوم القيامة بما له قِبَلَ٥ النّاس من الحقوق في المال والنّفس والعرض، فالعاقل يعدُّ هذا ذُخْرًا ليوم الفقر والفاقة، ولا يُبطِله بالانتقام الذي لا يُجدِي عليه شيئًا.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٤٠٢) من حديث جابر مرفوعًا، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن طلحة بن مصرّف عن مسروق قوله شيئًا من هذا. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٨٢٩) عن مسروق، و(٣٥٥٩٠) عن ابن مسعود موقوفًا.
(٥) د: «من قبل».
فصل
المشهد العاشر: مشهد الأسوة، وهو مشهدٌ لطيفٌ شريفٌ جدًّا، فإنّ العاقل اللّبيب يرضى أن يكون له أسوةٌ برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصَّتِه من خلقه، فإنّهم أشدُّ الخَلْق امتحانًا بالنّاس، وأذى النّاسِ إليهم أسرعُ من السَّيل في الحَدُور. ويكفي تدبُّر قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم، وشأنِ نبيِّنا ﷺ وأذى أعدائه له بما لم يُؤذَ به مَن١ قبله. وقد قال له ورقة بن نوفلٍ: لَتُكذَّبنَّ ولتُخْرَجَنّ ولَتُؤْذَيَنّ٢. وقال له: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئتَ به إلّا عُودِي٣. وهذا مستمرٌّ في ورثته كما كان٤ في موروثهم ﷺ.
أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوةٌ بخيار خَلْق الله وخواصِّ عباده: الأمثل فالأمثل؟
ومن أحبَّ معرفة ذلك فليقفْ على مِحَن العلماء، وأذى الجهّال لهم. وقد صنّف في ذلك ابن زَبْر٥ كتابًا سمّاه «مِحَن العلماء».
(١) «من» ليست في ل.
(٢) كما رواه ابن إسحاق في «سيرته» (ص ١٠٢) عن عبد الملك بن عبد الله عن بعض أهل العلم ضمن حديث طويل. وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٥٤)، و«دلائل النبوة» للبيهقي (٢/ ١٤٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣، ٦٩٨٢) ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
(٤) ل: «قال»، تحريف.
(٥) هو الحافظ أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زَبْر الربعي (ت ٣٧٩). ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٤٠). وكتابه «محن العلماء» من مرويات الحافظ ابن حجر في «المجمع المؤسَّس للمعجم المفهرس» (٢/ ٧٠)، والروداني في «صلة الخلف» (ص ٤٢١). وتحرَّف في المطبوع إلى «ابن عبد البر»!