مدارج السالكين

الأخرويّة أيضًا، إذ يُرشِدهم ذلك إلى القبول منه وتلقِّي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسنَ التّلقِّي. هذه طِباع النّاس.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: تحسين خُلُقك مع الحقِّ. وتحسينُه منك: أن تَعلم أنّ كلّ ما يأتي منك يُوجِب عذرًا، وأنّ كلّ ما يأتي من الحقِّ يوجب شكرًا، وأن لا تَرى له من الوفاء بدًّا).

هذه الدّرجة مبنيّةٌ على قاعدتين.

إحداهما: أن تعلم أنّك ناقصٌ، وكلُّ ما يأتي من النّاقص ناقصٌ، فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة. فعلى العبد أن يعتذر إلى ربِّه من كلِّ ما يأتي به من خيرٍ أو شرٍّ، أمّا الشّرُّ فظاهرٌ، وأمّا الخير فيعتذر من نقصانه، ولا يراه صالحًا لربِّه.

فهو مع إحسانه معتذرٌ في إحسانه، ولذلك مدح الله أولياءه بالوجَل منه مع إحسانهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وقال النّبيُّ ﷺ: «هو الرّجل يصوم ويتصدّق، ويخاف أن لا يُقبلَ منه»٢. فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى.

والحامل له على هذا الاعتذار أمران:

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٦).
  2. (٢) أخرجه أحمد (٢٥٧٠٥)، والترمذي (٣١٧٥)، وابن ماجه (٤١٩٨) من حديث عائشة ﵂، وصححه الحاكم (٢/ ٣٩٣، ٣٩٤)، إلا أن في إسناده انقطاعًا. وقد تقدَّم تخريجه مفصَّلًا (٢/ ١٧٩).
60

أحدهما: شهود تقصيره ونقصانه.

والثّاني: صدقُ محبّته. فإنّ المحبّ الصّادق يتقرّب إلى محبوبه بغاية إمكانه، وهو معتذرٌ إليه غاية الاعتذار، مستحيٍ١ منه أن يواجهه بما واجهه به، يرى أنّ قدْره فوقه وأجلُّ منه. وهذا مُشاهَدٌ في محبّة المخلوقين.

القاعدة الثّانية: استعظام كلِّ ما يصدر منه سبحانه إليك، والاعتراف بأنّه يوجب الشُّكر عليك، وأنّك عاجزٌ عن شكره. ولا يتبيّن هذا إلّا في المحبّة الصّادقة، فإنّ المحبّ يستكثر من محبوبه كلَّ ما يناله. فإذا ذكره بشيءٍ وأعطاه إيّاه كان سروره بذكره له، وتأهيله بعطائه، أعظمَ عنده من سروره بذلك المعطَى، بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطيّة٢. وإذا كان المحبُّ يسرُّه ذِكرُ محبوبه له وإن نالَه بمساءةٍ، كما قال القائل٣:

لئن ساءني أن نِلْتِني بمَساءةٍفقد سَرّني أنِّي خَطرتُ ببالك

فكيف إذا ناله محبوبٌ بمسرّةٍ وإن دَقَّتْ، فإنّه لا يراها إلّا جليلةً خطيرةً٤؟ فكيف هذا مع أنّ الرّبِّ تعالى لا يأتي منه أبدًا إلّا الخيرُ؟ ويستحيل خلافُ ذلك في حقِّه، كما يستحيل عليه خلافُ كماله. وقد أفصح

  1. (١) ش، د: «يستحق».
  2. (٢) ل: «بالقطيعة»، تحريف.
  3. (٣) هو ابن الدُّمينة، كما في «الحماسة» (٢/ ٦٢)، و«ديوانه» (ص ١٧ - ١٨). وانظر هناك التخريج واختلاف النسبة (ص ٢١٨). وقد ذكره في «روضة المحبين» (ص ١١٣، ٣٠٩).
  4. (٤) ل: «خطرة».
61

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي