مدارج السالكين

أعرفُ الخلق بربِّه عن هذا بقوله: «والشّرُّ ليس إليك»١، أي: لا يُضاف إليك، ولا يُنسَب إليك، ولا يَصدُر منك. فإنّ أسماءه كلَّها حسنى، وصفاته كلّها كمالٌ، وأفعاله كلّها فضلٌ وعدلٌ، وحكمةٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ. فبأيِّ وجهٍ يُنسَب الشّرُّ إليه ﷾؟ فكلُّ ما يأتي منه فله عليه الحمد والشُّكر، وله فيه النِّعمة والفضل.

قوله: (وأن لا ترى له من الوفاء بدًّا)، يعني: أنّ معاملتك للحقِّ سبحانه بمقتضى٢ الاعتذارِ من كلِّ ما منك، والشُّكرِ على ما منه= عقدٌ مع الله تعالى لازمٌ لك أبدًا، لا ترى من الوفاء به لله بدًّا. فليس ذلك بأمرٍ عارضٍ وحالٍ يَحُول، بل عقدٌ لازمٌ عليك الوفاء به إلى يوم لقائه.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّالثة: التّخلُّق٤ بتصفية الخلق، ثمّ الصُّعود عن تفرقة التّخلُّق، ثمّ التّخلُّق بمجاوزة الأخلاق).

هذه الدّرجة تتضمن ثلاثة أشياء:

أحدها: تصفية الخُلُق بتكميل ما ذكر في الدّرجتين قبله، فتُصفِّيه من كلِّ شائبةٍ وقذًى ومُشوِّشٍ.

  1. (١) ضمن دعائه المشهور الذي أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
  2. (٢) ل: «تقتضي».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٤٦).
  4. (٤) ش، د: «التخلص»، تحريف.
62

فإذا فعلتَ ذلك صعدتَ من تفرقته إلى جمعيّتك على الله، فإنّ التّخلُّق والتّصوُّف تهذيبٌ واستعدادٌ للجمعيّة. وإنّما سمّاه تفرقةً لأنّه اشتغالٌ بالغير، والسُّلوك يقتضي الإقبال بالكلِّيّة، والاشتغالَ بالرّبِّ وحده عمّا سواه.

ثمّ يصعد إلى ما١ فوق ذلك، وهو مجاوزة الأخلاق كلِّها بأن يغيب عن الخلق والتّخلُّق٢. وهذه الغَيبة لها مرتبتان عندهم:

إحداهما: الاشتغال بالله عن كلِّ ما سواه.

والثّانية: الفناء في الفردانيّة التي يُسمُّونها حضرةَ الجمع، وهي أعلى الغايات عندهم. وهي مَوهبيّةٌ لا كسبيّةٌ، لكنّ العبد إذا تعرَّضَ وصدق في الطّلب رُجِي له الظَّفرُ بمطلوبه. والله أعلم.

فصل

ومدار حسن الخلق مع الخلق ومع الحق: على حرفين، ذكرهما الشيخ عبد القادر الكيلانيُّ ﵀ فقال: كُنْ مع الحقِّ بلا خَلْقٍ، ومع الخَلْق بلا نفسٍ٣.

فتأمّلْ، ما أجلَّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما، وما أجمعَهما لقواعد السُّلوك ولكلِّ خلقٍ جميلٍ! وفساد الخُلق إنّما ينشأ من توسُّطِ الخَلق بينك وبين الله، وتوسُّطِ النّفس بينك وبين خلقه. فمتى عزلتَ الخَلق حالَ كونك

  1. (١) «ما» ليست في ش، د.
  2. (٢) ل: «التخليق».
  3. (٣) ذكره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٣٨)، والمؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص ١٥).
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي