مدارج السالكين

وولي أبو هريرة ﵁ إمارةً مرّةً، فكان يحمل حُزْمةَ الحطب على ظهره، وهو يقول: طرِّقوا للأمير١.

وركب زيد بن ثابتٍ ﵁، فدنا ابن عبّاسٍ ﵄ ليأخذ برِكابه، فقال: مَهْ يا ابنَ عمِّ رسول الله! فقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بكُبرائنا، فقال زيد: أَرِني يدَك، فأخرجها إليه فقبّلَها وقال: هكذا أُمِرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ٢.

وقَسَم عمر بن الخطّاب ﵁ بين الصّحابة حُلَلًا، فبعث إلى معاذٍ حلّةً مثمنةً، فباعها واشترى بثمنها ستّةَ أعبُد وأعتقَهم، فبلغَ عمر، فبعث إليه بعد ذلك حُلّةً دونها، فعاتبَه معاذٌ، فقال: لأنّك بعتَ الأولى. فقال معاذٌ ﵁: وما عليك؟ ادفعْ لي نصيبي، وقد حلفتُ لأضربنّ بها رأسك. فقال عمر ﵁: رأسي بين يديك، وقد يَرْفُق الشّابُّ بالشّيخ٣.

ومرّ الحسن بن علي بصبيانٍ معهم كِسَرُ خبزٍ، فاستضافوه، فنزلَ فأكل معهم، ثمّ حملهم إلى منزله، وأطعمهم وكساهم، وقال: اليدُ لهم، لأنّهم لم يجدوا شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر منه٤.

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٤). وانظر: «الزهد» لأبي داود (٢٨٤)، و«حلية الأولياء» (١/ ٣٨٥)، و«تاريخ دمشق» (٦٧/ ٣٧٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٢/ ٦١٤).
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٤). ورواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٨٤)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٤٧٤٦)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٥١٤)، والدينوري في «المجالسة» (١٣١٤).
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٨). ونحوه في «تاريخ دمشق» (٥٨/ ١٦٥).
  4. (٤) المصدر نفسه (ص ٣٨٧).
71

ويُذكر أنّ أبا ذرٍّ عيَّر بلالًا بسواده، ثمّ إنه نَدِم، فألقى نفسَه وحلف: لا رفعتُ رأسي حتّى يطأَ بلالٌ خدِّي بقدمِه. فلم يرفع رأسه حتّى فعل بلالٌ١.

وقال رجاء بن حَيْوة: قَوّمتُ ثيابَ عمر بن عبد العزيز ﵁ ــ وهو يخطب ــ باثني عشر درهمًا، وكانت قَباءً وعمامةً وقميصًا وسراويل ورداءً وخفّين وقلنسوةً٢.

ورأى محمّد بن واسعٍ ابنًا له يمشي مِشيةً منكرةً، فقال: تدري بكم اشتريتُ أمّك؟ بثلاثمائة درهمٍ، وأبوك ــ لا أكثرَ الله في المسلمين مثلَه ــ أنا٣، وأنت تمشي هذه المِشية٤!

وقال حَمْدون القصّار ﵀: التّواضع أن لا ترى لأحدٍ إلى نفسك حاجةً، لا في الدِّين ولا في الدُّنيا٥.

وقال إبراهيم بن أدهم: ما سُرِرتُ في إسلامي إلّا ثلاثَ مرّاتٍ: كنت في سفينةٍ، وفيها رجلٌ مِضحاكٌ كان يقول: كنّا في بلاد التُّرك نأخذ العِلْجَ هكذا، وكان يأخذ بشعر رأسي ويَهُزُّني، لأنّه لم يكن في تلك السّفينة أحدٌ أحقر منِّي. والأخرى: كنتُ عليلًا في مسجدٍ، فدخل المؤذِّن وقال: اخرجْ. فلم أُطِقْ،

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧). وهو في «تاريخ دمشق» (١٠/ ٤٦٤) بسياق آخر.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٦). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٣٢٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٨/ ٢٦٣).
  3. (٣) ل: «أبًا».
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٦). ورواه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٢٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٥٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/ ١٥٩).
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧).
72

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي