مدارج السالكين

السّلف، أي صراطٌ يُوصِل١ إليّ. وقال مجاهد ﵁: الحقُّ يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرِّج على شيءٍ٢. وهذا مثل قول الحسن وأبين منه، وهو من أصحِّ ما قيل في الآية. وقيل: "على" فيه للوجوب، أي عليَّ بيانه وتعريفه والدِّلالة عليه. والقولان نظير القولين في آية النّحل ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [الآية: ٩]، والصّحيح فيها كالصّحيح في آية الحِجْر: أنّ السّبيل القاصد ــ وهو: المستقيم المعتدل ــ يرجع إلى الله، ويُوصِل إليه. قال طفيلٌ الغَنَويُّ٣:

مضوا سلفًا قصدُ السَّبيل عليهِمُوصرفُ المنايا بالرِّجال تقَلَّبُ

أي ممرُّنا٤ عليهم، وإليهم وصولنا. وقال الآخر:

فهنَّ المنايا أيُّ وادٍ سلكتُه٥... عليها طريقي أو عليَّ طريقُها٦

  1. (١) هذا في ل. ومثله كان في ق ــ فيما يظهر ــ ثم أصلحه بعضهم: "مُوصِل" كما في النسخ الأخرى.
  2. (٢) أخرجه الطبري (١٤/ ٧٠).
  3. (٣) يرثي فرسان قومه، من قصيدة في "ديوانه" (ص ٤٠) و"الوحشيات" (ص ١٢٦). والبيت في "المعاني الكبير" (٣/ ١٢١٣) و"تهذيب اللغة" (١٢/ ٤٣١) و"البسيط" للواحدي (٦/ ٤٠٨).
  4. (٤) هكذا في ل، ع. ويبدو أن في ق مثله، ولكنه غيِّر إلى "مررنا" كما في النسخ الأخرى. وفي ش غيِّر "مررنا" إلى "مرورنا"، فإن معنى البيت عليه.
  5. (٥) ع: "سلكنَه".
  6. (٦) أنشده شيخ الإسلام. "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢١٤). وقد أنشده المؤلف في "بدائع الفوائد" (١/ ٢٠٩) أيضًا، وذكر أنه قرَّر هذا المعنى وبيَّن شواهده من القرآن في كتابه "التحفة المكِّيَّة".
23

فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة "إلى" التي هي للانتهاء، لا أداة "على" التي هي للوجوب. ألا ترى أنّه لمّا أراد الوصول قال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾١ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠]، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ وقال لمّا أراد الوجوب: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ [الغاشية: ٢٦]، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ونظائر ذلك؟

قيل: في ذكر أداة "على" سرٌّ لطيفٌ، وهو الإشعار بكون السّالك على هذا الصِّراط على هدًى وحقٍّ مع وصوله إلى الله تعالى؛ فغايتُه الوصول إلى الله، وهو في حال استقامته على هدًى٢ وعلى حقٍّ؛ كما قال في حقِّ المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. وقال لرسوله ﷺ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. والله ﷿ هو الحقُّ، وسراطه٣ حقٌّ، ودينه حقٌّ، فمن استقام على صراطه فهو على الحقِّ والهدى. وكان٤ في دلالة أداة "على" على هذا المعنى ما ليس في أداة "إلى"٥ فتأمّله، فإنّه سرٌّ بديعٌ.

  1. (١) لم ترد الآية الثانية هنا في ع، وذلك أنسب. وفيها بعد الآية الأولى: "ثم قال".
  2. (٢) العبارة: "وحقٍّ مع وصوله ... على هدًى" ساقطة من ع لانتقال النظر.
  3. (٣) كذا في ق، ل بالسين هنا وبالصاد فيما يأتي. وفي غيرهما بالصاد في الموضعين.
  4. (٤) كذا في جميع النسخ غير أن ل كان فيها "فكان" ــ فيما يظهر ــ ثم أصلح إلى "وكان"، والأول أشبه.
  5. (٥) ش: "في دلالة إلى". وقد كتب بعضهم في هامش م: "دلالة" مع إشارة اللحق بعد "في". يعني: "في دلالة أداة (إلى) ".
24

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي