مدارج السالكين

ويُذكر أنّ أبا ذرٍّ عيَّر بلالًا بسواده، ثمّ إنه نَدِم، فألقى نفسَه وحلف: لا رفعتُ رأسي حتّى يطأَ بلالٌ خدِّي بقدمِه. فلم يرفع رأسه حتّى فعل بلالٌ١.

وقال رجاء بن حَيْوة: قَوّمتُ ثيابَ عمر بن عبد العزيز ﵁ ــ وهو يخطب ــ باثني عشر درهمًا، وكانت قَباءً وعمامةً وقميصًا وسراويل ورداءً وخفّين وقلنسوةً٢.

ورأى محمّد بن واسعٍ ابنًا له يمشي مِشيةً منكرةً، فقال: تدري بكم اشتريتُ أمّك؟ بثلاثمائة درهمٍ، وأبوك ــ لا أكثرَ الله في المسلمين مثلَه ــ أنا٣، وأنت تمشي هذه المِشية٤!

وقال حَمْدون القصّار ﵀: التّواضع أن لا ترى لأحدٍ إلى نفسك حاجةً، لا في الدِّين ولا في الدُّنيا٥.

وقال إبراهيم بن أدهم: ما سُرِرتُ في إسلامي إلّا ثلاثَ مرّاتٍ: كنت في سفينةٍ، وفيها رجلٌ مِضحاكٌ كان يقول: كنّا في بلاد التُّرك نأخذ العِلْجَ هكذا، وكان يأخذ بشعر رأسي ويَهُزُّني، لأنّه لم يكن في تلك السّفينة أحدٌ أحقر منِّي. والأخرى: كنتُ عليلًا في مسجدٍ، فدخل المؤذِّن وقال: اخرجْ. فلم أُطِقْ،

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧). وهو في «تاريخ دمشق» (١٠/ ٤٦٤) بسياق آخر.
  2. (٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٦). ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٣٢٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٨/ ٢٦٣).
  3. (٣) ل: «أبًا».
  4. (٤) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٦). ورواه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ٢٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٥٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٦/ ١٥٩).
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧).
72

فأخذ برجلي وجرَّني إلى خارجٍ. والأخرى: كنت بالشّام وعليّ فَرْوٌ، فنظرتُ فيه، فلم أميِّز بين شَعره وبين القَمْل لكثرته، فسرَّني ذلك١.

وفي روايةٍ أخرى: كنت يومًا جالسًا، فجاء إنسانٌ وبال عليّ٢.

وقال بعضهم: رأيت في الطّواف رجلًا بين يديه شاكريّةٌ٣ يمنعون النّاس لأجله عن الطّواف، ثمّ رأيتُه بعد ذلك بمدّةٍ على جسر بغداد يسأل شيئًا، فتعجّبتُ منه، فقال لي: إنِّي تكبَّرتُ في موضعٍ يتواضع النّاس هناك، فابتلاني الله بالذُّلِّ في موضعٍ يترفّع٤ فيه النّاس٥.

وبلغ عمرَ بن عبد العزيز ﵁: أنّ ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهمٍ، فكتب إليه عمر: بلغني أنّك اشتريتَ فَصًّا بألف درهمٍ، فإذا أتاك كتابي فبِعِ الخاتم، وأشبِعْ به ألفَ بطنٍ، واتّخذْ خاتمًا بدرهمين، واجعَلْ فَصَّه حديدًا صينيًّا، واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرفَ قدْرَ نفسه٦.

فصل

أوّل ذنبٍ عصى الله به أبوا الثّقلين: الكِبر والحرص. فكان الكبر ذنب

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٣٨٧). كذا نقل عنه، والإسلام بريء من هذا التواضع البارد.
  3. (٣) كلمة معرَّبة عن الفارسية بمعنى الخدَّام، مفردها: شاكري.
  4. (٤) ل: «يرتفع».
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٥، ٣٨٦). وأورده الخركوشي في «تهذيب الأسرار» (ص ٧٠٣) عن محمد بن شبة.
  6. (٦) المصدر نفسه (ص ٣٨٦).
73

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي