مدارج السالكين

فأخذ برجلي وجرَّني إلى خارجٍ. والأخرى: كنت بالشّام وعليّ فَرْوٌ، فنظرتُ فيه، فلم أميِّز بين شَعره وبين القَمْل لكثرته، فسرَّني ذلك١.

وفي روايةٍ أخرى: كنت يومًا جالسًا، فجاء إنسانٌ وبال عليّ٢.

وقال بعضهم: رأيت في الطّواف رجلًا بين يديه شاكريّةٌ٣ يمنعون النّاس لأجله عن الطّواف، ثمّ رأيتُه بعد ذلك بمدّةٍ على جسر بغداد يسأل شيئًا، فتعجّبتُ منه، فقال لي: إنِّي تكبَّرتُ في موضعٍ يتواضع النّاس هناك، فابتلاني الله بالذُّلِّ في موضعٍ يترفّع٤ فيه النّاس٥.

وبلغ عمرَ بن عبد العزيز ﵁: أنّ ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهمٍ، فكتب إليه عمر: بلغني أنّك اشتريتَ فَصًّا بألف درهمٍ، فإذا أتاك كتابي فبِعِ الخاتم، وأشبِعْ به ألفَ بطنٍ، واتّخذْ خاتمًا بدرهمين، واجعَلْ فَصَّه حديدًا صينيًّا، واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرفَ قدْرَ نفسه٦.

فصل

أوّل ذنبٍ عصى الله به أبوا الثّقلين: الكِبر والحرص. فكان الكبر ذنب

  1. (١) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٧).
  2. (٢) المصدر نفسه (ص ٣٨٧). كذا نقل عنه، والإسلام بريء من هذا التواضع البارد.
  3. (٣) كلمة معرَّبة عن الفارسية بمعنى الخدَّام، مفردها: شاكري.
  4. (٤) ل: «يرتفع».
  5. (٥) «الرسالة القشيرية» (ص ٣٨٥، ٣٨٦). وأورده الخركوشي في «تهذيب الأسرار» (ص ٧٠٣) عن محمد بن شبة.
  6. (٦) المصدر نفسه (ص ٣٨٦).
73

إبليس اللّعين، فآل أمره إلى ما آل إليه. وذنب آدم ــ صلى الله على نبيِّنا وعليه وسلَّم ــ كان من الحرص والشّهوة، فكان عاقبته التّوبة والهداية. وذنب إبليس حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار، وذنب آدم ﵇ أوجب له إضافتَه إلى نفسه، والاعتراف به والاستغفار.

فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار: مع شيخهم وقائدهم إلى النّار إبليس. وأهل الشّهوة المستغفرون التّائبون المعترفون بالذُّنوب، الذين لا يحتجُّون عليها بالقدر: مع أبيهم آدم في الجنّة.

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: المتكبِّر شرٌّ من المشرك فإنّ المتكبِّر متكبِّر عن عبادة الله تعالى، والمشرك يعبد الله وغيره.

قلت: ولذلك جعل الله النّار دار المتكبِّرين، كما قال تعالى في سورة غافرٍ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [آية: ٧٦]، وقال في سورة النّحل: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ٢٩﴾ [آية: ٢٩]، وقال في سورة تنزيل: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠].

وأخبر أنّ أهل الكبر والتّجبُّر هم الذين طبع الله على قلوبهم، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].

وقال ﷺ: «لا يدخل الجنّةَ من كان في قلبه مِثقالُ ذرّةٍ من كِبْرٍ». رواه مسلمٌ ﵀١.

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، تنبيه على أنّه لا

  1. (١) رقم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي