مدارج السالكين

يغفر الكِبر الذي هو أعظم من الشِّرك، وكما أنّ من تواضع لله١ رفعه الله، فكذلك من تكبّر عن الانقياد للحقِّ٢ أذلَّه ووضعَه. ومن تكبّر عن الانقياد للحقِّ ولو جاءه على يد صغيرٍ، أو من يبغضه ويعاديه= فإنّما تكبَّر على الله، فإنّ الله هو الحقُّ، وكلامه حقٌّ، ودينه حقٌّ، والحقُّ صفته ومنه وله. فإذا ردَّه العبد وتكبَّر عن قبوله، فإنّما ردَّ٣ على الله، وتكبَّر عليه.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀٤: (التّواضع: أن يتواضع العبد لِصَوْلة الحقِّ).

يعني: أن٥ يتلقّى سلطانَ الحقِّ بالخضوع له والذُّلِّ والانقياد، والدُّخولِ تحت رقِّه، بحيث يكون الحقُّ متصرِّفًا فيه تصرُّفَ المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خُلق التّواضع. ولهذا فسّر النّبيُّ ﷺ الكبر بضدِّه، فقال: «الكبر بَطَرُ الحقِّ، وغَمْص٦ النّاس». فبطَرُ الحقِّ: ردُّه وجَحْدُه، والدّفع في صدره كدفع الصّائل. وغَمْص٧ النّاس: احتقارهم

  1. (١) «لله» ليست في ش، د.
  2. (٢) «للحق» ليست في ل.
  3. (٣) ش، د: «رده».
  4. (٤) (ص ٤٦).
  5. (٥) ش، د: «أنه».
  6. (٦) كذا في ل وهامش ش. وفي د، ش: «غمط». والرواية بالوجهين، وكلاهما بمعنًى. فهو عند مسلم (٩١) بالطاء، وعند الترمذي (١٩٩٩) وابن حبان (٥٤٦٦) بالصاد، كلهم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وفي الباب عن غيره.
  7. (٧) ش، د: «غمط».
75

وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم دفعَ حقوقَهم. وجحدها، واستهان بها.

ولمّا كان لصاحب الحقِّ مقالٌ وصَولةٌ، كانت النُّفوس المتكبِّرة لا تُقِرُّ له بالصّولة على تلك الصّولة التي فيها، ولا سيّما النُّفوس المُبطِلة، فتصول على صولة الحقِّ بكِبْرها وباطلها. فكان حقيقة التّواضع: خضوع العبد لصولة الحقِّ، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: التّواضع للدِّين، وهو أن لا يعارِض بمعقولٍ منقولًا، ولا يتّهم للدِّين دليلًا، ولا يرى إلى الخلاف سبيلًا).

التّواضع للدِّين هو الانقياد لما جاء به الرّسول ﷺ، والاستسلام له والإذعان. وذلك بثلاثة أشياء:

الأوّل: أن لا يعارض شيئًا ممّا جاء به من المعارضات الأربعة السّارية في العالم، المسمّاة: بالمعقول، والقياس، والذّوق، والسِّياسة.

فالأول: للمنحرفين أهلِ الكِبْر من المتكلِّمين، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة، وقالوا: إذا تعارض العقل والنّقل قدَّمنا العقلَ وعزلنا النّقل، إمّا عزلَ تفويضٍ، وإمّا عزلَ تأويلٍ.

والثّاني: للمتكبِّرين من المنتسبين إلى الفقه، قالوا: إذا عارض القياسُ والرّأيُ النُّصوصَ قدّمنا القياس على النّصِّ، ولم نلتفت إليه.

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٧).
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي