مدارج السالكين

وازدراؤهم. ومتى احتقرهم وازدراهم دفعَ حقوقَهم. وجحدها، واستهان بها.

ولمّا كان لصاحب الحقِّ مقالٌ وصَولةٌ، كانت النُّفوس المتكبِّرة لا تُقِرُّ له بالصّولة على تلك الصّولة التي فيها، ولا سيّما النُّفوس المُبطِلة، فتصول على صولة الحقِّ بكِبْرها وباطلها. فكان حقيقة التّواضع: خضوع العبد لصولة الحقِّ، وانقياده لها، فلا يقابلها بصولته عليها.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدّرجة الأولى: التّواضع للدِّين، وهو أن لا يعارِض بمعقولٍ منقولًا، ولا يتّهم للدِّين دليلًا، ولا يرى إلى الخلاف سبيلًا).

التّواضع للدِّين هو الانقياد لما جاء به الرّسول ﷺ، والاستسلام له والإذعان. وذلك بثلاثة أشياء:

الأوّل: أن لا يعارض شيئًا ممّا جاء به من المعارضات الأربعة السّارية في العالم، المسمّاة: بالمعقول، والقياس، والذّوق، والسِّياسة.

فالأول: للمنحرفين أهلِ الكِبْر من المتكلِّمين، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة، وقالوا: إذا تعارض العقل والنّقل قدَّمنا العقلَ وعزلنا النّقل، إمّا عزلَ تفويضٍ، وإمّا عزلَ تأويلٍ.

والثّاني: للمتكبِّرين من المنتسبين إلى الفقه، قالوا: إذا عارض القياسُ والرّأيُ النُّصوصَ قدّمنا القياس على النّصِّ، ولم نلتفت إليه.

  1. (١) «المنازل» (ص ٤٧).
76

والثّالث: للمتكبِّرين المنحرفين من المنتسبين إلى التّصوُّف والزُّهد، إذا تعارض عندهم الذّوق والأمر قدّموا الذّوق والحال، ولم يَعْبؤوا بالأمر.

والرّابع: للمتكبِّرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين، إذا تعارضت عندهم الشّريعة والسِّياسة قدّموا السِّياسة، ولم يلتفتوا إلى حكم الشّريعة.

فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر. والتّواضع: التّخلُّص من ذلك كلِّه.

الثّاني: أن لا يتّهم دليلًا من أدلّة الدِّين، بحيث يظنُّه فاسد الدّلالة، أو ناقصَ الدّلالة أو قاصرَها، أو أنّ غيره كان أولى منه. ومتى عرض له شيءٌ من ذلك فليتّهِمْ فهمه، وليعلَمْ أنّ الآفة منه، والبليّة فيه، كما قيل١:

وكم من عائبٍ قولًا صحيحًاوآفتُه من الفهم السّقيمِ
ولكن تأخذُ الأذهانُ منهعلى قدْرِ القرائحِ والفُهوم

وهكذا الواقع في الواقع حقيقةً: أنّه ما اتَّهَم أحدٌ دليلًا للدِّين إلّا وكان هو المتّهم الفاسد الذِّهن، المأووف٢ في عقله وذهنه. فالآفة من الذِّهن العليل، لا في نفس الدّليل.

وإذا رأيتَ من أدلّة الدِّين ما يُشكِل عليك، وينبو فهمك عنه، فاعلم أنّه لعظمته وشرفه استعصى عليك، وأنّ تحته كنز٣ من كنوز العلم لم تُؤتَ مفتاحَه بعدُ. هذا في حقِّ نفسك.

  1. (١) البيتان للمتنبي في «ديوانه» (٢/ ٢٤٦).
  2. (٢) أي الذي أصابته آفة.
  3. (٣) كذا في الأصول مرفوعًا.
77

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي