مدارج السالكين

وأمّا بالنِّسبة إلى غيرك فاتّهِمْ آراء الرِّجال على نصوص الوحي، وليكن ردُّها أيسرَ شيءٍ عليك للنُّصوص، فما لم تفعل ذلك فلستَ على شيءٍ ولو ... ولو ...، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

قال الشّافعيُّ قدّس الله روحه: وأجمع المسلمون على أنّ من استبانتْ له سنّة رسول الله ﷺ لم يحلَّ له أن يدَعَها لقول أحدٍ١.

الثّالث: أن٢ لا يجد إلى خلاف النّصِّ سبيلًا البتّةَ، لا بباطنه، ولا بلسانه، ولا بفعله، ولا بحاله. بل إذا أحسَّ بشيءٍ من الخلاف فهو كخلاف المُقْدِم على الزِّنا، وشرب الخمر، وقتل النّفس. بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك، وهو داعٍ إلى النِّفاق، وهو الذي خافه الكبار والأئمّةُ على نفوسهم.

واعلم أنّ المخالف للنّصِّ لقول متبوعه وشيخه ومقلَّدِه، أو لرأيه ومعقوله وذوقه وسياسته، إن كان عند الله معذورًا ــ ولا والله ما هو بمعذورٍ ــ فالمخالف لقوله لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله وعند رسوله، وملائكته والمؤمنين من عباده.

فواعجبًا! إذا اتّسع بِطانُ٣ المخالفين للنُّصوص لعذر من خالفها٤

  1. (١) بهذا اللفظ ذكر المؤلف قول الشافعي في «الرسالة التبوكية» (ص ٤٠)، و«الروح» (٢/ ٧٣٥)، و«أعلام الموقعين» (١/ ١١). ولفظ الشافعي في «الأم» (٧/ ٢٧٥): «ولا يجوز لعالمٍ أن يدع قول النبي ﷺ لقولِ أحدٍ سواه». ونحوه في (١/ ١٧٧) و«الرسالة» (ص ٣٣٠).
  2. (٢) ش، ل: «أنه».
  3. (٣) حزام يُشدُّ على البطن.
  4. (٤) ل: «للعذر من خالقها».
78

تقليدًا أو تأويلًا أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذرِ من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النُّصوص؟ وكيف نَصَبوا له الحبائلَ، وبَغَوه الغوائلَ، ورَمَوه بالعظائم، وجعلوه أسوأ حالًا من أرباب الجرائم؟ فرَمَوه بدائهم وانسَلُّوا منه لِوَاذًا، وقَذَفوه بمُصَابِهم١ وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا لهم ومعاذًا!

فصل

قال٢: (ولا يصحُّ ذلك إلّا بأن يعلم: أنّ النّجاة في البصيرة، والاستقامة بعدَ الثِّقة، وأنّ البيِّنة وراء الحجّة).

يقول: إنّ ما ذكرناه من التّواضع للدِّين بهذه الأمور الثّلاثة:

علْمُه أنّ النّجاة من الشّقاء والضّلال إنّما هي في البصيرة، فمن لا بصيرةَ له فهو من أهل الضّلال في الدُّنيا والشّقاءِ في الآخرة٣.

والبصيرة نورٌ يجعله الله في عين القلب، يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، ونسبته إلى القلب كنسبة ضوء العين إلى العين.

وهذه البصيرة وهبيّةٌ٤ وكسبيّة، فمن أدام النّظر في أعلام الحقِّ وأدلّته، وتجرَّد لله عن هواه= استنارت بصيرته، ورُزِق فرقانًا يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل.

  1. (١) د: «بمصائبهم».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٧).
  3. (٣) ل: «الأخرى».
  4. (٤) ش، د: «موهبية».
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي