مدارج السالكين

تقليدًا أو تأويلًا أو لغير ذلك، فكيف ضاق عن عذرِ من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل موافقة النُّصوص؟ وكيف نَصَبوا له الحبائلَ، وبَغَوه الغوائلَ، ورَمَوه بالعظائم، وجعلوه أسوأ حالًا من أرباب الجرائم؟ فرَمَوه بدائهم وانسَلُّوا منه لِوَاذًا، وقَذَفوه بمُصَابِهم١ وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا لهم ومعاذًا!

فصل

قال٢: (ولا يصحُّ ذلك إلّا بأن يعلم: أنّ النّجاة في البصيرة، والاستقامة بعدَ الثِّقة، وأنّ البيِّنة وراء الحجّة).

يقول: إنّ ما ذكرناه من التّواضع للدِّين بهذه الأمور الثّلاثة:

علْمُه أنّ النّجاة من الشّقاء والضّلال إنّما هي في البصيرة، فمن لا بصيرةَ له فهو من أهل الضّلال في الدُّنيا والشّقاءِ في الآخرة٣.

والبصيرة نورٌ يجعله الله في عين القلب، يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل، ونسبته إلى القلب كنسبة ضوء العين إلى العين.

وهذه البصيرة وهبيّةٌ٤ وكسبيّة، فمن أدام النّظر في أعلام الحقِّ وأدلّته، وتجرَّد لله عن هواه= استنارت بصيرته، ورُزِق فرقانًا يُفرِّق به بين الحقِّ والباطل.

  1. (١) د: «بمصائبهم».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٧).
  3. (٣) ل: «الأخرى».
  4. (٤) ش، د: «موهبية».
79

الثّاني: أن يعلم أنّ الاستقامة إنّما تكون بعد الثِّقة، أي لا يُتصوَّر حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلّا بعد الثِّقة بصحّة ما معه من العلم، وأنّه مقتبسٌ من مشكاة النُّبوّة. ومن لم يكن كذلك فلا ثقةَ له، فلا استقامةَ له.

الثّالث: أن يعلم أنّ البيِّنة وراء الحجّة. البيِّنة مراده بها: استبانة الحقِّ وظهورُه، وهذا إنّما يكون بعد الحجّة، فإنّ الحجة إذا قامت استبان الحقُّ وظهر واتّضح.

وفيه معنًى آخر، وهو: أنّ العبد إذا قبل حجّة الله بمحض الإيمان والتّسليم والانقياد، كان هذا القبول هو سبب تبيُّنها له وظهورها وانكشافها لقلبه. فلا يصير على بيِّنةٍ من ربِّه إلّا بعد قبول حجّته.

وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أنّه لا يتبيّن له عيبُ عملِه من صحّته إلّا بعد العلم الذي هو حجّة الله على العبد، فإذا عرف الحجّة اتّضح١ له بها ما كان مشكلًا عليه من علومه، وما كان مَعِيبًا من أعماله.

وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أن يكون «وراء» بمعنى أمام، والمعنى: أنّ الحجّة إنّما تحصل للعبد بعد تبيُّنها، فإذا لم تَتبيَّن له لم يكن له حجّةٌ، يعني: فلا يقنع من الحجّة بمجرّد حصولها بلا تبيُّنٍ، فإنّ التّبيُّن أمام الحجّة.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّانية: أن ترضى٣ بمن رضي الحقُّ به لنفسه عبدًا من

  1. (١) ش، د: «أفصح».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٧).
  3. (٣) في النسخ: «يرضى». والمثبت من «المنازل»، وهو الموافق للسياق.
80

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي