مدارج السالكين

الثّاني: أن يعلم أنّ الاستقامة إنّما تكون بعد الثِّقة، أي لا يُتصوَّر حصول الاستقامة في القول والعمل والحال إلّا بعد الثِّقة بصحّة ما معه من العلم، وأنّه مقتبسٌ من مشكاة النُّبوّة. ومن لم يكن كذلك فلا ثقةَ له، فلا استقامةَ له.

الثّالث: أن يعلم أنّ البيِّنة وراء الحجّة. البيِّنة مراده بها: استبانة الحقِّ وظهورُه، وهذا إنّما يكون بعد الحجّة، فإنّ الحجة إذا قامت استبان الحقُّ وظهر واتّضح.

وفيه معنًى آخر، وهو: أنّ العبد إذا قبل حجّة الله بمحض الإيمان والتّسليم والانقياد، كان هذا القبول هو سبب تبيُّنها له وظهورها وانكشافها لقلبه. فلا يصير على بيِّنةٍ من ربِّه إلّا بعد قبول حجّته.

وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أنّه لا يتبيّن له عيبُ عملِه من صحّته إلّا بعد العلم الذي هو حجّة الله على العبد، فإذا عرف الحجّة اتّضح١ له بها ما كان مشكلًا عليه من علومه، وما كان مَعِيبًا من أعماله.

وفيه معنًى آخر أيضًا، وهو: أن يكون «وراء» بمعنى أمام، والمعنى: أنّ الحجّة إنّما تحصل للعبد بعد تبيُّنها، فإذا لم تَتبيَّن له لم يكن له حجّةٌ، يعني: فلا يقنع من الحجّة بمجرّد حصولها بلا تبيُّنٍ، فإنّ التّبيُّن أمام الحجّة.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّانية: أن ترضى٣ بمن رضي الحقُّ به لنفسه عبدًا من

  1. (١) ش، د: «أفصح».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٧).
  3. (٣) في النسخ: «يرضى». والمثبت من «المنازل»، وهو الموافق للسياق.
80

المسلمين أخًا، وأن لا تردَّ على عدوِّك حقًّا، وتقبلَ من المعتذرِ معاذيرَه).

يقول: إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدًا، أفلا ترضى انتسابه أخًا؟ فعدمُ رضاك به أخًا ــ وقد رضِيَه سيِّدك الذي أنت عبده عبدًا١ لنفسه ــ عين الكِبْر. وأيُّ قبيحٍ أقبحُ من تكبُّر العبد على عبدٍ مثلِه لا يرضى بأخوّته، وسيِّده راضٍ بعبوديّته؟

فيجيء من هذا: أنّ المتكبِّر غير راضٍ بعبوديّة سيِّده، إذ عبوديّته تُوجب رضاه بأخوّة عبده، وهذا شأن عبيد الملوك، فإنّهم يرون بعضهم خُشْداشِيةَ٢ بعضٍ، ومن ترفَّع منهم عن ذلك لم يكن من عبيدِ أستاذهم.

قوله: (وأن لا تردّ على عدوِّك حقًّا).

أي لا تصحُّ لك درجة التّواضع حتّى تقبل الحقّ ممّن تحبُّ وممّن تُبغِض، فتقبله من عدوِّك كما تقبله من وليِّك، وإذا لم تردَّ عليه حقَّه فكيف تمنعه حقًّا له قبلك؟ بل حقيقة التّواضع أنّه إذا جاءك قبلتَه منه، وإذا كان له عليك حقٌّ أدّيتَه إليه، فلا تمنعك عداوتُه من قبول حقِّه، ولا من إيفائه إيّاه.

وأمّا قبولك من المعتذر معاذيره، فمعناه: أنّ من أساء إليك ثمّ جاء يعتذر٣ من إساءته، فإنّ التّواضع يوجب عليك قبول٤ معذرته، حقًّا كانت

  1. (١) «عبدا» ليست في ش، د.
  2. (٢) مفرده «خُشداش»، وأصله بالفارسية «خواجه تاش». وهو بمعنى مملوك مع آخر من المماليك في خدمة سيد كبير. انظر: «تكملة المعاجم العربية» (٤/ ٢٦، ١٠١).
  3. (٣) ل: «معتذرًا».
  4. (٤) «قبول» ليست في ل.
81

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي