مدارج السالكين

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفُتوّة، هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى النّاس، وكفُّ الأذى عنهم، واحتمال أذاهم. فهي استعمال حُسن الخلق معهم، فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله.

والفرق بينها وبين المروءة: أنّ المروءة أعمُّ منها. فالفتوّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإنّ المروءة استعمال ما يُجمِّل ويَزِين ممّا هو مختصٌّ بالعبد أو متعدٍّ إلى غيره، وتركُ ما يُدنِّس ويَشِين ممّا هو مختصٌّ أيضًا به أو متعلِّقٌ بغيره. والفتوّة إنّما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخَلْق.

فهي ثلاثة منازل: منزلة التّخلُّق وحسن الخُلق، ومنزلة الفتوّة، ومنزلة المروءة. وقد تقدّمت منزلة الخُلق.

وهذه منزلةٌ شريفةٌ، لم تُعبِّر عنها الشّريعة باسم الفتوّة، بل عبّرت عنها باسم «مكارم الأخلاق»، كما في حديث يوسف بن محمّد بن المنكدر عن أبيه عن جابرٍ ﵁ عن النّبيِّ ﷺ: «إنّ الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال»١.

أصل الفتوّة من الفتى، وهو الشّابُّ الحديث السِّنِّ. قال تعالى عن أهل

  1. (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦٨٩٥)، والبيهقي في «الشعب» (٧٦١٠) بهذا الإسناد. وفيه عمر بن إبراهيم، كذّبه الدارقطني وضعَّفه الخطيب. وانظر: «مجمع الزوائد» (٨/ ١٨٨) وتعليق المحقق على «الشعب».
86

الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وقال عن قوم إبراهيم إنّهم قالوا فيه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]. وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، ﴿وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ١ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].

فاسم «الفتى» لا يُشعِر بمدحٍ ولا ذمٍّ، كاسم الشّابِّ والحَدَث. ولذلك لم يجئ اسم الفتوّة في القرآن ولا في السُّنّة ولا في لسان السّلف، وإنّما استعمله مَن بعدهم في مكارم الأخلاق. وأصلها عندهم: أن يكون العبد أبدًا في أمر غيره.

وأقدمُ من علمتُه تكلَّم في الفتوّة: جعفر بن محمّدٍ، ثمّ الفضيل بن عياضٍ، والإمام أحمد، وسهل بن عبد الله، والجنيد٢، ثمّ الطّائفة.

فيذكر أنّ جعفر بن محمّدٍ سئل عن الفتوّة، فقال للسّائل: ما تقول أنت؟ فقال: إن أُعطِيتُ شَكرتُ، وإن مُنِعتُ صبرتُ. فقال: الكلاب عندنا كذلك. فقال السّائل: يا ابن رسول الله، فما الفتوّة عندكم؟ فقال: إن أُعطِينا آثَرْنا، وإن مُنِعْنا شَكَرْنا٣.

وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: الفتوّة: الصَّفْح عن عَثَرات

  1. (١) كذا في الأصول. وهي قراءة أبي عمرو وغيره.
  2. (٢) بعدها في هامش د: «سيد الطائفة».
  3. (٣) «الرسالة القشيرية» (ص ٥١٢). وفي «حلية الأولياء» (٨/ ٣٧) أنه بين شقيق وإبراهيم بن أدهم.
87

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي